فهرس الكتاب

الصفحة 991 من 2877

وبعد، فإني وقفت على جملة من مصنفات عالم معرة النعمان أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فوجدتها مشحونة بالفصاحة والبيان، مودعة فنونا من الفوائد الحسان، محتوية على أنواع الآداب، مشتملة من علوم العرب على الخالص والباب، لايجد الطامح فيها سقطة، ولا يدرك الكاشح فيها غلطة، ولما كانت مختصة بهذه الأوصاف مميزة على غيرها عند أهل الإنصاف، قصده جماعة لم يعوا وعيه، وحسدوه إذ لم ينالوا سعيه، فتتبعوا

كتبه على وجه الانتقاد، ووجدوها خالية من الزيغ والفساد، فحين علموا سلامتها من العيب والشين، سلكوا فيها معه مسلك الكذب والمين، ورموه بالإلحاد والتعطيل، والعدول عن سواء السبيل. فمنهم من وضع على لسانه أقوال الملحدة، ومنهم من حمل كلامه على غير المعنى الذي قصده، فجعلوا محاسنه عيوبا وحسناته ذنوبا، وعقله حمقا وزهده فسقا، ورشقوه بأليم السهام وأخرجوه عن الدين والإسلام، وحرفوا كلمه عن مواضعه وأوقعوه في غير مواقعه.

ولو نظر الطاعن كلامه بعين الرضا وأغمد سيف الحسد من عليه انتضى، لأوسع له صدرا وشرح، واستحسن ما ذم ومدح، لكن جرى الزمن على عاداته في مطالبته أهل الفضل بتراته وقصدهم بإساءاته فسلط عليهم أبناءه وجعلهم أعداءه، فقصدوه بالطعن والإساءة واللبيب مقصود والأديب عن بلوغ الغرض مصدود، وكل ذي نعمة محسود، ومن سلك في الفصاحة مسلكه وأدرك من أنواع العلوم ما أدركه، وقصد في كتبه الغريب وأودعها كل معنى غريب، كان للطاعن سبيل إلى عكس معانيها وقلبها، وتحريفها عن وجوهها المقصودة وسلبها، ألا ترى إلى كتاب الله العزيز المحتوي على المنع والتجويز، الذي لا يقبل التبديل في شيء من صحفه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيف أحال جماعة من أرباب باطل الأقاويل تأويله على غير وجوه التأويل، فصرفوا تأويله إلى ما أرادوا، فما أحسنوا في ذلك ولا أجادوا، حتى إن جماعة من الكفار وأرباب الزلل والعثار، تمسكوا منه بآيات جعلوها دليلا على ما ذهبوا إليه من الضلالات، فما ظنك بكلام رجل من البشر ليس بمعصوم إن زل أو عثر، وقد تعمق في فصيح الكلام وأتى من اللغات بما لا يتيسر لغيره ولا يرام، وأودعها في كلامه أحسن إيداع وأبرزها في النظم البديع والأسجاع، إذا قصده بعض الحساد، فحمل كلامه على غير المراد.

وقد وضع أبو العلاء كتابا وسمه ب «زجر النابح» أبطل فيه طعن المزري عليه والقادح، وبين فيه عذره الصحيح وإيمانه الصريح ووجه كلامه الفصيح، ثم أتبع ذلك بكتاب وسمه ب «نجر الزجر» بين فيه مواضع طعنوا بها عليه بيان الفجر، فلم يمنعهم زجره ولا اتضح لهم عذره، بل تحقق عندهم كفره واجترؤوا على ذلك وداموا، وعنفوا من انتصر له ولاموا، وقعدوا في أمره وقاموا، فلم يرعوا له حرمة، ولا أكرموا علمه، ولا راقبوا إلّا ولا ذمة، حتى حكوا كفره بالأسانيد وشددوا في ذلك غاية التشديد، وكفّره من

جاء بعدهم بالتقليد، فابتدرت دونه مناضلا، وانتصبت عنه مجادلا، وانتدبت لمحاسنه ناقلا، وذكرت في هذا الكتاب مولده ونسبه، وتحصيله للعلم وطلبه، ودينه الصحيح ومذهبه، وورعه الشديد وزهده، واجتهاده القوي وجده، وطعن القادح فيه ورده، ودفع الظلم عنه وصده، وسميته (كتاب الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري) وبالله التوفيق والعصمة، وإليه المرجع في كل وصمة، وهو حسبي ونعم الوكيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت