فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 2877

قال في الروضتين: قال ابن أبي طي: لما تسلم السلطان بعلبك وأزاح عللها عاد إلى حمص ونزل بها فاتصل به ورود عز الدين مسعود أخي سيف الدين صاحب الموصل نجدة للملك الصالح، وكان سبب وروده أن جماعة من أمراء حلب لما كان السلطان نازلا على حلب أجمعوا آراءهم وكاتبوا سيف الدين وألزموه نجدة ابن عمه، وأخبروه أن السلطان متى ملك حلب لم يكن له قصد إلا الموصل، وأرسلوا بذلك أمين الدين هاشما خطيب حلب وقطب الدين ينال بن حسان وغرس الدين قليج، وكان سيف الدين منازلا لسنجار وفيها أخوه عماد الدين قد أظهر الانتماء إلى السلطان فأنجده السلطان بقطعة من جيشه فكسرهم ونهبهم عماد الدين بهم وبعسكره، فلما وصلت رسالة الحلبيين إلى سيف الدين صالح أخاه عماد الدين وحشد عسكره وأنفذ يجيبهم مع أخيه عز الدين مسعود، فورد حلب بعد رحيل السلطان عنها إلى بعلبك، فاغتنم الحلبيون بعد السلطان عنهم فاحتشدوا

وخرجوا جميعا حتى خيموا على حماة وأخذوا في حصارها، واتصل بالسلطان ذلك فرحل من بعلبك إلى حمص وبلغ عز الدين، فعاد عن حماة ونزل قريبا من جباب التركمان إلى جهة العاصي إلى قريب من شيزر، وراسل النائب بحماة علي بن أبي الفوارس يقول له: إنما وصلت في إصلاح الحال ووضع أوزار القتال، وسأله مكاتبة السلطان فيما يجمع الكلمة ويلم شعث الفرقة، فكتب ابن أبي الفوارس بذلك إلى السلطان وحسن له الصلح وتلطف في ذلك غاية التلطف، وقدم أبو صالح بن العجمي وسعد الدين كمشتكين لطلب الصلح فأجابهما السلطان إلى ما أرادا وتقرر على أنه يرد إليهم جميع الحصون والبلاد ويقنع بدمشق وحدها ويكون نائبا للملك الصالح، فلما عاين سعد الدين إجابة السلطان إلى الصلح والنزول عن جميع الحصون التي أخذها حمص وحماة وبعلبك طمع في جانب السلطان وتجاوز الحد في الاقتراح وطلب الرحبة وأعمالها، فقال: هي لابن عمي ولا سبيل إلى أخذها، فقام سعد الدين من بين يديه نافرا، وكان ذلك برأي أبي صالح بن العجمي لأنه كان معه فاجتهد السلطان به أن يرجع فلم يفعل، وخرج إلى عز الدين مسعود وكان بعد نازلا على حماة وحدثه ما دار بينه وبين السلطان وهون عليه أبو صالح أمر السلطان وأخبره بقلة من معه، وكان السلطان لما كوتب في أمر الصلح سار في خف من أصحابه، فلما علموا بذلك طمعوا في جانبه وعولوا على لقائه وانتهاز الفرصة في أمره، فكاتب باقي أصحابه واستعد لحربهم وسار إلى أن نزل على قرون حماة وأخذ في مدافعة الأيام حتى يقدم عليه باقي عسكره وراسلهم في التلطف للأحوال فلم ينجع فيهم حال، وكانوا في كل يوم يعزمون على لقائه وقتاله فيبطل عزيمتهم بمراسلة يفتعلها تسويفا للأوقات وتقطيعا للزمان حتى يقدم عليه عسكره، وكانت هيبته قد ملأت صدور القوم ولولا ذلك لكانوا قد ناهزوا الفرصة ونالوا منه الغرض.

قال: وفي يوم الأحد تاسع عشر رمضان التقوا ولم يكن بعد قد وصل للسلطان من عسكره أحد فتجمع أصحاب السلطان كردوسا واحدا وأخذوا يحملون يمنة ويسرة ويدافعون الأوقات رجاء أن يتصل بهم بعض العسكر. وضري عسكر حلب والعسكر الموصلي على أصحاب السلطان حين شاهدوا قلتهم واجتماعهم وكاد أصحاب السلطان يولون الأدبار، فوصل تقي الدين عمر عند الحاجة إليه لتمام السعادة للسلطان، فإنه لو تأخر ساعة لانكسر عسكره، فوصل تقي الدين في عسكر مصر وجماعة من الأمراء وهم غير عالمين

بالحرب وقيامها، فلما رأوا الناس في الكر والضرب الهبر حملوا جميعا بعد أن افترقوا في الميمنة والميسرة فصدموا عسكر الموصل صدمة ضعضعتهم، وكان السلطان في هذه المدة قد كاتب جماعة من عسكرهم واستفسدهم إليه وحمل إليهم الأموال، وهذا هو الذي أبطأ بهم إلى أن وصلت عساكره، وإلا فلو كان عسكر حلب نصح لم يقدر السلطان على الثبوت ساعة، فلما اشتد القتال لم ينصح الجماعة التي كاتبها السلطان بل كانوا مثبطين مخوفين لمن قرب منهم، ثم إنهم بعد ذلك انهزموا وتبعهم عسكر السلطان واستباحوا أموالهم وخيامهم، وأمر السلطان أصحابه أن لا يوغلوا في طلبهم ولا يقتلوا من رأوه منهزما ولا يدففوا على جريح، ورحل حتى نزل في منزلتهم، ثم سار من وقته مجدا حتى نزل بمرج قرا حصار ولم يزل هناك حتى عيّد عيد الفطر، فجاءته رسل الملك الصالح يسألونه المهادنة وأن يقر الملك الصالح على ما في يده وما هو جار تحت حكمه من الشام الأسفل إلى بلد حماة، فلم يرض بذلك، فجعلوا له مع حماة المعرة وكفر طاب، فرضي بذلك وحلف على نسخة رأيتها وعليها خطه قال: وكان في جملة اليمين أنه متى قصد الملك الصالح عدو حضر بنفسه وجيوشه ودافع عنه وأن لا يغير الدعاء له من جميع منابر البلاد التي تحت يد السلطان وولايته وولاية أصحابه، وأن تكون السكة باسمه. ولما حلف السلطان والملك الصالح وأمراؤه عاد السلطان قاصدا دمشق، فلما وصل إلى حماة وصلت إليه رسل الخليفة المستضيء ومعهم التشريفات الجليلة والأعلام السود وتوقيع من الديوان بالسلطنة ببلاد مصر والشام. وفي هذه الخلع يقول ابن سعدان الحلبي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت