فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 2877

قال أبو الفداء وابن كثير وابن إياس: في هذه السنة جاءت الأخبار بأن التتار زحفوا على البلاد، فجاء الملك الظاهر بيبرس بعساكره المتوافرة إلى الشام، وكان خروجه من مصر في العشرين من رمضان ودخل دمشق في سابع عشر شوال فأقام بها ثلاثة أيام، ثم سار حتى دخل حلب فأقام بها يوما ورسم لنائب حلب أن يقيم بعسكر حلب على الفرات لحفظ المعابر، وسار السلطان فقطع الدربند في نصف يوم، ووقع سنقر الأشقر في أثناء الطريق بثلاثة آلاف من المغول فهزمهم يوم الخميس تاسع ذي القعدة، وصعد العسكر الجبال فأشرفوا على وطاة البلستين عاشر ذي القعدة فرأوا التتار قد رتبوا عساكرهم وكانوا أحد عشر ألف مقاتل وعزلوا عنهم عسكر الروم خوفا من مخامرتهم، فلما تراءى الجمعان حملت ميسرة التتار فصدمت صناجق السلطان ودخلت طائفة بينهم

فشقوها وساقت إلى الميمنة، فلما رأى السلطان ذلك أردف المسلمين بنفسه ومن معه، ثم لاحت منه التفاتة فرأى الميسرة قد كادت تتحطم فأمر جماعة من الأمراء بإردافها، ثم حمل بالعسكر جميعه حملة واحدة على التتار فترجلوا إلى الأرض عن آخرهم وقاتلوا المسلمين قتالا شديدا وصبر المسلمون صبرا عظيما، فأنزل الله نصره على المسلمين فأحاطت بالتتار العساكر من كل جانب وقتلوا منهم خلقا كثيرا وقتل مقدمهم تناون وغالب كبرائهم وأسر منهم جماعة كثيرة صاروا أمراء، وكان من جملة المأسورين في هذه الوقعة سيف الدين قبجق وسيف الدين أرسلان. وقتل من المسلمين أيضا جماعة فكان في جملة من قتل من سادات المسلمين الأمير الكبير ضياء الدين ابن الخطير وسيف الدين قيماز وسيف الدين بنجو الجاشنكير وعز الدين أيبك الثقفي. وهرب البرواناه (من أمراء الروم الذين كانوا مع التتار) فنجا بنفسه ودخل قيسارية في بكرة الأحد ثاني عشر ذي القعدة، وأعلم أمراء الروم وملكهم بكسرة التتر على البلستين وأشار عليهم بالهزيمة فانهزموا منها وأخلوها.

وأما الملك الظاهر فإنه بعد فراغه من هذه الوقعة سار إلى قيسارية واستولى عليها، وكان الحاكم بالروم يومئذ معين الدين سليمان البرواناه وكان يكاتب الملك الظاهر في الباطن، وكان يظن الملك الظاهر أنه إذا وصل إلى قيسارية يصل إليه البرواناه على ما كان اتفق معه في الباطن، فلم يحضر البرواناه لما أراده الله من هلاكه على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

ودخل الملك الظاهر قيسارية سابع عشر ذي القعدة بعد أن حاصر أهلها، وأرسلوا إليه يطلبون الأمان فأرسل لهم الأمان على يد الأمير بيسري فسلموا المدينة، وكان دخوله إلى المدينة يوما مشهودا، فنزل بدار السلطنة وصلى بها الجمعة وخطب له بها وأقام عليها سبعة أيام، ثم رحل عن قيسارية في الثاني والعشرين من ذي القعدة. وحصل للعسكر شدة عظيمة من نفاد القوت والعلف وعدمت غالب خيولهم، ووصلوا إلى عمق حارم وأقاموا به شهرا، ثم رحلوا وتوجهوا إلى دمشق وسارت بذلك البشائر إلى البلدان ففرح المؤمنون يومئذ بنصر الله.

ولما بلغ خبر هذه الوقعة أبغا بن هولاكو ساق في جموع المغول حتى وصل إلى البلستين وشاهد مكان المعركة وشاهد عسكره صرعى ولم يشاهد أحدا من عسكر الروم مقتولا، فغاظه ذلك وأعظمه وحنق على البرواناه إذ لم يعلمه بجلية الحال، وكان يظن أن أمر الظاهر دون هذا كله، واشتد غضبه على أهل قيسارية وأهل تلك الناحية فقتل منهم قريبا

من مائتي ألف إنسان، وقيل قتل منهم خمسمائة ألف من قيسارية وأرزن الروم، وكان في جملة من قتل القاضي جلال الدين حبيب، ثم سار أبغا إلى الأردو وصحبته معين الدين البرواناه، فلما استقر بالأردو أمر بقتل البرواناه فقتل وقتل معه نيفا وثلاثين نفسا من مماليكه وخواصه. واسم البرواناه المذكور سليمان، والبرواناه لقب وهو الحاجب بالعجمي، وكان مقتله بألاطاغ وكان البرواناه حازما بتدبير المملكة ذا مكر ودهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت