ثم إن السلطان قرأ ختمة في الميدان الكبير بحلب يوم الخميس مع ليلة الجمعة وحضر أمير المؤمنين المتوكل على الله والقضاة الأربعة ومشايخ الزوايا وصلى أمير المؤمنين بالسلطان في الخيمة صلاة العصر وصلاة المغرب، وأنعم السلطان في ذلك اليوم بأربعمائة دينار ومائة رأس غنم، وأنعم على قاضي القضاة الشافعي بسبعين دينارا وعلى نوابه ومن معه من العلماء بسبعين دينارا والقاضي الحنفي كذلك، وأنعم على القاضي المالكي بخمسين
دينارا وعلى نوابه الثلاثين بثلاثين دينارا، وأنعم على الفقراء الذين سافروا صحبته لكل واحد منهم عشرة دنانير، وأنعم على القراء الذين حضروا هذه الختمة من قراء حلب وغيرها لكل واحد خمسة دنانير.
وفي عقيب ذلك أحضر السلطان الأمراء المقدمي الألوف والنواب والأمراء الطبلخانات والأمراء العشراوات وحلفهم على المصحف الشريف بأنهم لا يخونونه ولا يغدرونه، فحلفوا كلهم على ذلك، ثم نادى للعسكر بالعرض في الميدان الذي بحلب فعرضوا وهم باللبس الكامل وأدخلهم من تحت سيفين على هيئة قنطرة كما هي عادة الأتراك وعندهم أن هذا هو القسم العظيم.
وقال المحلي: جمع السلطان الأمراء والأعيان وتحالفوا على أن لا أحد منهم يخون صاحبه وأن يكونوا على قلب رجل واحد ويقاتلوا عدوهم بعد أن كان غالب العسكر ما يظن إلا الصلح بين السلطان سليم وبين شاه إسماعيل.
وأما يونس نائب عينتاب فإنه ندم على فعله مع كرتباي (الذي توجه للكشف ومر على عينتاب فأظهر له النائب ميله إلى السلطان سليم) وقال في نفسه ربما تكون النصرة لهم فلا آمن على نفسي ولكن أجعل لي معهم وجها، وركب من ساعته إلى أن تمثل بين يدي الغوري وزعم أن السلطان سليما قبض عليه وأنه هرب منه وجاء إلى مولانا السلطان مساعدا له على عدوه، فلم تنطل حيلته على السلطان، ثم أمر بتوسيطه في الوقت والساعة فوسط والأمراء والأعيان كلهم مجتمعون، فقام من بينهم الأمير سيباي نائب الشام وقبض على خاير بك نائب حلب وجره من طوقه بين يدي السلطان الغوري وقال: يا مولانا السلطان إذا أردت أن الله ينصرك على عدوك فاقتل هذا الخائن، وكان خاير بك في يده كالشاة بين يدي السبع وهو يجره، فقام الأمير جانبر دي الغزالي وقال: يا مولانا السلطان لا تفتن العسكر وتبدأ في قتال بعضهم بعضا وتذهب أخباركم إلى عدوكم ويزداد طمعه فيكم وتضعف شوكتكم والرأي لكم، وتأخر في مكانه وهذه مكيدة من الغزالي وإلا كان خاير بك قد هلك، فعند ذلك أمرهم السلطان أن يتحالفوا ثانيا وأن لا يخون منهم أحد والخائن يجازيه الله تعالى وعليه لعنة الله. ثم أمر السلطان أن ينادى في حلب بالرحيل منها بالعسكر لقتال السلطان سليم وأن يتأهب كل واحد ويستفيق لنفسه، وكان ذلك في يوم الجمعة ثاني رجب سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وكان له موكب حتى رجت الأرض وليس الخبر
كالعيان. وكان الجلبان ثلاثة عشر ألف مملوك كلهم مشترى الغوري ولا واحد منهم إلا ويعرف سائر أنواع الحرب والفروسية فإنه كان مجتهدا في تعليم الجلبان، وكان قصده أن ينشىء له عسكرا من مماليكه الذين يشتريهم ويقطع القرانصة وهم مماليك الملوك الذين قبله، وكان يحسب حسابهم خوفا من أن يمكروا به كما فعلوا بمن قبله، وكان آخذا حذره ولكن الحذر لا ينفع من القدر.