فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 2877

قال في الروضتين: لما سمع السلطان في مصر بمرض الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين كتب إلى ابن أخيه تقي الدين عمر وهو يتولى له المعرة وحماة وأمره بالتأهب للنهوض، وكتب إلى ابن أخيه عز الدين فرخشاه وهو نائبه بدمشق يأمره بتنفيذ عسكر إلى جهة أخيه تقي الدين على إظهار قاعدة النظر في القضية الحادثة بين ديار بكر وابن قرا أرسلان والتوجه لفصلها. قال: فيكون ظاهر حركة العسكر لهذا السبب المتقدم وباطنها لهذا السبب المتأخر، وقد كوتب الولد تقي الدين أن يتوجه إلى منبج على الظاهر والباطن المذكورين وأن يحفظ المغازي ويرابط الفرات ويمنع المعابر ولنا بالس وقلعة جعبر ومنبج وتل باشر وهي جمهور الطرق بل كلها وقد أوعزنا إلى تقي الدين بأن يكون حمام حماة في حلب وحمام دمشق في حماة، وإلى الأجل ناصر الدين بأن يكون حمام دمشق في حمص وحمام حمص في حلب وولدنا عز الدين يؤمر بأن يكون حمام بصرى في دمشق، وقد بعثنا نجابين

يكونون منيخين ببصرى، فإن تحققت الوفاة فنحن أسبق إليكم من الجواب قولا وفعلا ووعدا ونجحا فالعلة مزاحة والعسكر مستريحة والظهر قد استعد والمصلحة في الحركة ظاهرة وحجج انتقاد المنتقدين في هذه القضية ساقطة.

ثم قال: ولما سمع بوفاته تحرك عزمه وندم على النزوح من الشام مع قرب هذا المرام، فكتب إلى ابن أخيه تقي الدين عمر وكذلك شحذ عزائم نوابه بالشام بتجديد المكاتبات لهم وبعثهم على الاستعداد وحملهم. وكان الفرنج بأنطاكية قد أغاروا على حارم وأتوا من السبي والنهب بالعظائم، وأغار عسكر حلب على الراوندان وهي في عمل صلاح الدين ورسولهم عند الفرنج يستنجدهم ويغريهم به، وراسلوا الحشيشية (الباطنية) فكتب السلطان صلاح الدين كتابا إلى الخليفة في بغداد يشرح الحال باللفظ العمادي، وكان في جملة الكتاب ما معناه أن حلب من جملة البلاد التي اشتمل عليها تقليد أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله له، وإنما تركها في يد ابن نور الدين لأجل أبيه، والآن فليرجع كل إلى حقه وليقنع برقه. ثم كتب إليه في كتاب آخر عند دخول صاحب الموصل حلب واستيلائه عليها (كما تقدم) فقال: دخل حلب مستوليا وحصل بها متعديا وعقود الخلفاء لا تحل والسيوف في أوجه أوليائهم لا تسل، وإنه إن فتح باب المنازعة أدنى من ندامة وأبعد من سلامة، وخرق ما يعي على الراقع وجذب الرداء فلم تغن فيه إلا حيلة الخالع، وليس الاستيلاء بحجة في الولايات لطالبها ولا الدخول في الدار بموجب ملك غاصبها، إلا أن تكون البلاد كالديار المصرية حين فتحها الخادم وأهله حيث الجماعة مستريبة والخلافة في غير أهلها غريبة والعقائد لغير الحق مستجيبة، فتلك الولاية أولى من منحها من فتحها، وكان سلطانها من أدخل في كان شيطانها، وأما حلب فإن الكلمة فيها عالية والمنابر فيها بالاسم الشريف حالية، فإنما تكون لمن قلدها لا لمن توردها ولمن بالحق تسلمها لا لمن بالباطل تسنمها، ولو كانت حلب كما كانت مصر لدخلها الخادم ولم يشاور ولولجها ولم يناظر، ولكنه أتى البيوت من أبوابها واستمطر القطار من سحابها. ثم ذكر أن المواصلة راسلوا الملاحدة الحشيشية واتخذوهم بطانة من دون المؤمنين وواسطة بينهم وبين الفرنج ووعدهم بقلاع من يد الإسلام تقلع وضياع من فيء المسلمين توضع وبدار دعوة بحلب ينصب فيها علم الضلالة فيرفع، ويا للعجب من الخصم يهدم دولة حق وهي تبنيه ومن العبد يبني ملكها بنفسه وماله وذويه، وهي تراقب أعلاه فيه ودعواه في رسائلهم

وغوائلهم ليست بدعوى لا يقوم شاهدها ولا هي بشناعة لا يهتدي قائدها، بل هذا رسولهم عند سنان صاحب الملاحدة ورسولهم عند القمص ملك الفرنج، وهذه الكتب الواصلة بذلك قد سيرت. ولاستيجاب الولاية طرق، أما السبق إلى التقليد فللخادم السبق، وأما العدالة والعدل فلو وقع الفرق لوقع الحق، وأما بالإثار بالطاعة فله فيها ما لولا معونة الخالق فيه لقصرت عنه أيدي الخلق، ومتى استمرت المشاركه في الشام أفضت إلى ضعف التوحيد وقوة الاشتراك وترامت إلى أخطار يعجز عنها خواطر الاستدراك وأحوجت قابض الأعنة إلى أن يعيلها الجدد ويرسلها العراك، وطريق الصلاح والمصالحات الأيمان، والمشار إليهم (يعني أصحاب الموصل) لا يلتزمون ربقتها ولا يوجبون صفقتها، وكفى بالتجريب ناهيا عن الغرّة، ولا يلدغ المؤمن إلا مرّة، وإذا اجتمعت في الشام أيد ثلاث يد عادية ويد ملحدة ويد كافرة نهض الكفر بتثليثه وقصرت عن الإسلام يد مغيثه ولم ينفع الخادم حينئذ تصحيح حسابه وتصديق حديثه، وما يريد الخادم إلا من تكون عليه يد الله وهي الجماعة ولا يؤثر إلا ما يتقرب به إليه وهو الطاعة ولا يتوخى إلا ما يقوم به الحجة اليوم ويوم تقوم الساعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت