فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 2877

حدثني هبة الله بن موسى المؤيد في الدين، وكانت بينه وبين أبي العلاء صداقة ومراسلة قال: كنت أسمع من أخبار أبي العلاء وما أوتيه من البسطة في علم اللسان ما يكثر تعجبي منه، فلما وصلت المعرة قاصدا الديار المصرية لم أقدم شيئا على لقائه، فحضرت إليه،

واتفق حضور أخي معي، وكنت بصدد أشغال يحتاج إليها المسافر، فلم أسمح بمفارقته والاشتغال بها، فتحدثت مع أخي حديثا باللسان الفارسي، فأرشدته إلى ما يعمله فيها، ثم عدت إلى مذاكرة أبي العلاء، فتجارينا الحديث إلى أن ذكرت ما وصف به من سرعة الحفظ وسألته أن يريني من ذلك ما أحكيه عنه، فقال: خذ كتابا من هذه الخزانة قريبة منك واذكر أوله، فإني أورده عليك حفظا، فقلت: كتابك ليس بغريب إن حفظته، قال: قد دار بينك وبين أخيك كلام بالفارسية إن شئت أعدته، قلت: أعده، فأعاده ما أخل والله بحرف منه، ولم يكن يعرف اللغة الفارسية اهـ.

وأخبرني عنه بمثل هذه الحكاية والدي رحمه الله تعالى فيما يأثره عن الشيوخ الحلبيين قال: كان لأبي العلاء جار أعجمي بمعرة النعمان، فغاب في بعض حوائجه عن معرة النعمان، فحضر رجل غريب أعجمي قد قدم من بلاد العجم يطلبه فوجده غائبا، وهو مجتاز لم يمكنه المقام، وذلك القادم لا يعرف اللسان العربي، فأشار إليه أبو العلاء أن يذكر حاجته إليه، فجعل يتكلم بالفارسية وأبو العلاء يصغي إليه، إلى أن فرغ من كلامه وهو لا يفهم ما يقول، ومضى الرجل وقدم جار أبي العلاء العجمي الغائب وحضر عند أبي العلاء، فذكر له حال الرجل وطلبه له، وجعل يعيد عليه بالفارسية ما قال والرجل يبكي ويستغيث ويلطم على رأسه، إلى أن فرغ أبو العلاء، وسئل عن حاله، فأخبرهم أنه أخبر بموت أبيه وإخوته وجماعة من أهله، أو كما قال.

قال لي والدي: وبلغني من ذكاء أبي العلاء وحسن حفظه أن جارا له سمّانا كان بينه وبين رجل من أهل المعرة معاملة، فجاءه ذلك الرجل فدفع إليه السمان رقاعا كتبها إليه يستدعي فيها حوائج له، وكان أبو العلاء في غرفة مشرفة عليهما يسمع محاسبته له، وأعاد الرجل الرقاع إلى السمان، ومضى على ذلك أيام، فسمع أبو العلاء ذلك السمان وهو يتأوه ويتململ، فسأله على حاله فقال: كنت حاسبت فلانا برقاع كانت له عندي وقد عدمتها ولا يحضرني حسابه، فقال: لا عليك، تعال إلي فأنا أحفظ حسابكما، وجعل يملي عليه معاملته جميعها وهو يكتبها، إلى أن فرغ وقام، فلم يمض إلا أيام يسيرة فوجد السمان الرقاع وقد جذبها الفأر إلى زاوية في الحانوت، فقابل بها ما أملاه عليه أبو العلاء فلم يخط في حرف واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت