فهرس الكتاب

الصفحة 1042 من 2877

وهذه الحكاية فيها من الوهم ما لا يخفى، وذلك أنه قال: كان بأنطاكية خزانة كتب إلى آخر ما ذكره، وهذا شيء لا يصح، فإن أنطاكية أخذها الروم من أيدي المسلمين في ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وولد أبو العلاء بعد ذلك بأربع سنين وثلاثة أشهر في ربيع الأول من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وبقيت أنطاكية في أيدي الروم إلى أن فتحها سليمان بن قطلمش في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وكان أبو العلاء قد مات قبل ذلك في سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وأخلاها الروم من المسلمين حين استولوا عليها، فلا يتصور أن يكون بها خزانة كتب وخازن وتقصد للاشتغال بالعلم. ويحتمل عندي أن يكون هذا بكفر طاب، فقد كانت كفر طاب مشحونة بأهل العلم، وكان بها من يقرأ الأدب ويشتغل به قبل أن يهجمها الفرنج في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وكانت لأبي المتوج مقلد بن نصر بن منقذ في أيام أبي العلاء، فلعله تصحف كفر طاب بأنطاكية، وتصحيفها بها غير مستبعد، فإن كان كذلك فابن منقذ الحاكي لهذه الحكاية هو أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ وأبوه نصر، وكفر طاب قريبة من معرة النعمان. ويحتمل أن ذلك كان بحلب، فإن أبا العلاء دخل حلب وهو صبي، واجتمع بمحمد بن عبد الله بن سعد النحوي ورد عليه خطأه في شعر المتنبي على ما ذكرناه في ذكر شيوخه الذين أخذ عنهم، فيحتمل أن هذه الحكاية التي حكاها ابن منقذ كانت بحلب، وأبو المتوج بن منقذ كان بحلب وله بها دار ومنزل، وكان بها خزانة كتب في الشرفية التي بجامع حلب في موضع خزانة الكتب اليوم، واتفقت فتنة في بعض أيام عاشوراء بين أهل السنة والشيعة ونهبت خزانة الكتب، وكان ذلك في زمن أبي العلاء، ولم يبق في خزانة الكتب إلا القليل، وجدد الكتب فيها بعد ذلك الوزير أبو النجم هبة الله بن بديع وزير الملك رضوان، ثم وقف غيره كتبا أخربها. وقد ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي هذه الخزانة في قصيدته التائية التي كتبها من القسطنطينية يداعب أحد أصدقائه بها، قال فيها:

أبلغ أبا الحسن السلام وقل له ... هذا الجفاء عداوة الشيعية

فلأطرفنّ بما صنعت مكابرا ... وأبث ما لاقيت منك لبنكة

ولأجلسنّك للقضية بيننا ... في يوم عاشوراء بالشرفية

حتى أثير عليك فيها فتنة ... تنسيك يوم خزانة الصوفية

وهذا أبو الحسن سالم بن علي بن تميم الفقيه ابن الكفر طابي المعروف بالحمّامي، وكان

من فضلاء حلب، وكان سنّي المذهب وأبو محمد الخفاجي شيعيّ، وكان بينهما مودة، ومكابر وبنكة من غوغاء الشيعة، فيحتمل أن أبا العلاء لما دخل حلب وهو صبي اتفق له بخزانة الكتب ما ذكره ابن منقذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت