أخبرنا قاضي المعرة شهاب الدين أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سليمان قال: سمعت جماعة من أهلنا يقولون: كان أبو العلاء متوقد الخاطر على غاية من الذكاء من صغره، وتحدث الناس بذلك وهو إذ ذاك صبي صغير يلعب مع الصبيان، فكان الناس يأتون إليه ليشاهدوا منه ذلك، فخرج جماعة من أهل حلب إلى ناحية معرة النعمان وقصدوا أن يشاهدوا أبا العلاء وينظروا ما يحكى عنه من الفطنة والذكاء، فوصلوا إلى المعرة وسألوا عنه فقيل لهم: هو يلعب مع الصبيان، فجاؤوا إليه وسلموا عليه فرد عليهم السلام، فقيل له: إن هؤلاء جماعة من أكابر حلب جاؤوا لينظروك ويمتحنوك، فقال لهم: هل لكم في المقافاة بالشعر؟ فقالوا: نعم، فجعل كل واحد منهم ينشد بيتا وهو ينشده على قافية حتى فرغ محفوظهم بأجمعهم وقهرهم، فقال لهم: أعجزتم أن يعمل كل واحد منكم بيتا
عند الحاجة إليه على القافية التي يريد؟ فقالوا له: فافعل أنت ذلك، قال: فجعل كلما أنشده واحد منهم بيتا أجابه من نظمه على قافيته حتى قطعهم كلهم، فعجبوا منه وانصرفوا.
ومن أعجب ما بلغني عن فطنته وذكائه ما سمعت والدي رحمه الله يحكيه عنه فيما تأثره عن مشايخ أهل حلب أن أبا العلاء لما نظر إلى بغداد واجتاز في طريقه وهو راكب على جمل بشجرة فقيل له: طأطىء رأسك، ففعل، وأقام ببغداد مدة إقامته بها، فلما عاد من بغداد إلى معرة النعمان اجتاز بذلك الموضع وقد قطعت تلك الشجرة، فطأطأ رأسه، فسئل عن ذلك فقال: ههنا شجرة، فقيل له: ما ههنا شيء، فقال: بلى قد كان ههنا شجرة حين عبرت هذا منحدرا إلى بغداد، فحفروا في ذلك الموضع فوجدوا أصلها اهـ.
وأخبرني بعض آل المهذب المعريين أن أهل المعرة يذكرون فيما ينقلونه عن سلفهم أن أبا العلاء بن سليمان لما سافر إلى بغداد دفع بعض أهله إلى خادمه الذي كان سافر معه لخدمته ماء من بئر بالمعرة يقال له بئر القراميد، وقال له: إذا أراد العود من بغداد فاسقه من هذا الماء، قال: فلما خرج من بغداد متوجها إلى معرة النعمان سقاه ذلك الماء، فقال أبو العلاء: ما أشبه هذا الماء بماء بئر القراميد اهـ.
أخبرنا القاضي شهاب الدين أحمد بن مدرك بن سليمان قاضي المعرة قال: أخبرني جماعة من سلفنا أن بعض أمراء حلب قيل له: إن اللغة التي ينقلها أبو العلاء إنما هي من الجمهرة، وعنده من الجمهرة نسخة ليس في الدنيا مثلها، وأشاروا عليه بطلبها منه قصدا لأذاه، فسيّر أمير حلب رسولا إلى أبي العلاء يطلبها منه، فأجابه بالسمع والطاعة وقال:
تقيم عندنا أياما حتى نقضي شغلك، ثم أمر من يقرأ عليه كتاب الجمهرة فقرئت عليه حتى فرغوا من قراءتها، ثم دفعها إلى الرسول وقال له: ما قصدت بتعويقك إلا أن أعيدها على خاطري خوفا من أن يكون قد شذ منها شيء عن خاطري، فعاد الرسول وأخبر أمير حلب بذلك فقال: من يكون هذا حاله لا يجوز أن يؤخذ منه هذا الكتاب. وأمر برده إليه. اهـ.
وقرأت في بعض مطالعاتي في الكتب ووجدته معلقا عندي بخطي أن رجلا من طلبة
العلم باليمن وقع إليه كتاب في اللغة سقط أوله وأعجبه جمعه وترتيبه، فاتفق أنه حج، فحمله معه، وكان إذا اجتمع بأديب أراه ذلك الكتاب وسأله عنه هل يعرفه أو يعرف مصنفه، فلم يجد أحدا يخبره بذلك، فأراه في بعض الأحيان لبعض الأدباء وكان ممن يعلم حال أبي العلاء بن سليمان وتبحره في العلم، فدله عليه، فخرج ذلك الرجل إلى الشام ووصل إلى معرة النعمان واجتمع بأبي العلاء بن سليمان وعرفه ما حمله على الرحلة إليه، وأحضر إليه ذلك الكتاب وهو مقطوع الأول، فقال له أبو العلاء: اقرأ منه شيئا، فقرأه عليه، فقال له أبو العلاء: هذا الكتاب اسمه كذا ومصنفه فلان بن فلان، ثم ابتدأ أبو العلاء فقرأ له أول الكتاب إلى أن انتهى إلى ما هو عند ذلك الرجل، فنقل ذلك الرجل ما نقص من الكتاب عن أبي العلاء وأكمل النسخة، وانفصل إلى اليمن وأخبر أهل العلم بذلك. وقيل إن هذا الكتاب المذكور هو ديوان الأدب للفارابي والله أعلم.