قال ابن الأثير: لما عبر صلاح الدين الفرات كاتب الملوك أصحاب الأطراف ووعدهم وبذل لهم البذول على نصرته، فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب الحصن إلى ما طلب منه لقاعدة استقرت بينهما لما كان نور الدين عنده بالشام، فإنه استقر الحال أن صلاح الدين يحصر آمد ويملكها ويسلمها إليه، وسار صلاح الدين إلى مدينة الرها فحصرها في جمادى الأولى وقاتلها أشد قتال، فحدثني بعض من كان من الجند أنه عد في غلاف رمح أربعة عشر خرقا وقد خرقته السهام، ووالى الزحف عليها وكان بها حينئذ
مقطع وهو الأمير فخر الدين مسعود الزعفراني، فحيث رأى شدة القتال أذعن إلى التسليم وطلب الأمان وسلم البلد وصار في خدمة صلاح الدين، فلما ملك المدينة زحف إلى القلعة فسلمها إليه الدزدار الذي بها على مال أخذه، فلما ملكها سلمها إلى مظفر الدين مع حران، ثم سار عنها على حران إلى الرقة، فلما وصل إليها كان بها مقطعا قطب الدين ينال بن حسان المنبجي فسار عنها إلى عز الدين أتابك وملكها صلاح الدين، وسار إلى الخابور قرقيسيا وماكسين وعرابان فملك جميع ذلك، فلما استولى على الخابور جميعه سار إلى نصيبين فملك المدينة لوقتها، وبقيت القلعة فحصرها عدة أيام فملكها أيضا وأقام بها ليصلح شأنها، ثم أقطعها أميرا كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين، وسار عنها ومعه نور الدين صاحب الحصن وأتاه الخبر أن الفرنج قصدوا دمشق ونهبوا القرى ووصلوا إلى داريا وأرادوا تخريب جامعها، فأرسل النائب بدمشق إليهم جماعة من النصارى يقول لهم إن خربتم الجامع جددنا عمارته وأخربنا كل بيعة لكم في بلادنا ولا نمكن أحدا من عمارتها، فتركوه، ولما وصل الخبر إلى صلاح الدين بذلك أشار عليه من يتعصب لعز الدين بالعود فقال: يخربون قرى ونملك عوضها بلادا ونعود نعمرها ونقوى على قصد بلادهم، ولم يرجع فكان كما قال اه.
ثم حصر صلاح الدين الموصل، ثم سار منها إلى سنجار فملكها، ثم ملك آمد وسلمها إلى نور الدين محمد بن قرا أرسلان على ما استقرت القاعدة بينهما. وبسط ابن الأثير القول في ذلك: وكان ملكه لآمد في العشر الأولى من المحرم سنة 578.
قال في الروضتين: وفي فتح آمد يقول سعيد بن محمد الحريري الحلبي من قصيدة في السلطان:
رمى آمدا بالصافنات فأذعنت ... له طاعة آكامها ووعورها
فما عز ناديها ولا اعتاص ثغرها ... ولا جاش طاميها ولا رد سورها
وأنزلت بالكره ابن تيسان مخرجا ... كما أنزل الزباء كرها قصيرها
نهضت لها حتى إذا انقاد صعبها ... تقضى على طول الشماس نفورها
سمحت بها جودا لمن ظل برهة ... يغاورها طورا وطورا يغيرها
وملّكت ما ملّكت منها تحولا ... وكان قليلا في نداك كثيرها
وإن بلادا أنجدتك ملوكها ... لأجدر أن يرجو نداك فقيرها
وقال ابن سعدان الحلبي يذكر فتح آمد: