فهرس الكتاب
وقال العماد: وصل السلطان إلى حلب وفيها عماد الدين زنكي بن مودود الذي كان صاحب سنجار وقد تحصن بكثرة الأجناد والعدد وأراد مقابلة السلطان ومقاتلته، وأراد السلطان أن يظفر بها دون ذلك من القتال وعداوة الرجال، لكن الشباب وجهال الأصحاب راموا القتال وأحبوا النزال وتقدموا وأقدموا والسلطان ينهاهم فلا ينتهون، وكان فيهم تاج الملوك بوري أخو السلطان فطعن في فخذه ثم مات بعد ذلك بأيام بعد فتح البلد، وكان السلطان قد صنع ذلك اليوم وليمة لعماد الدين زنكي. وكان السلطان أول ما نزل على حلب نزل في صدر الميدان الأخضر وذلك في زمن الربيع الأنضر، ثم رحل ونزل
على جبل جوشن ونهى عن القتال وقال: نحن هاهنا نستغل البلاد وما علينا من الحصن الذي بلغ منه هذا العناد، وأنفذ رسل الترهيب إليهم ففكر عماد الدين زنكي في أمره ورأى أن الصواب مصالحة السلطان، فأنفذ سرا إليه حسام الدين طمان وصالحه وحلفه على أن يسلم إليه حلب ويرد عليه بلده سنجار، ففعل وزاده الخابور ونصيبين والرقة وسروج واشترط عليه إرسال العسكر في الخدمة للغزاة.
وقال ابن الأثير: نزل صلاح الدين في الميدان الأخضر وأقام به عدة أيام، ثم انتقل إلى جبل جوشن فنزل بأعلاه وأظهر أنه يريد أن يبني مساكن له ولأصحابه وعساكره، وأقام عليها أياما والقتال بين العسكرين كل يوم، وكان عماد الدين زنكي ومعه العسكر النوري وهم مجدون في القتال، فلما رأى كثرة الخرج كأنه شح بالمال فحضر يوما عنده بعض أجناده وطلبوا منه شيئا فاعتذر بقلة المال عنده، فقال له بعضهم: من يريد أن يحفظ مثل حلب يخرج الأموال ولو باع حلي نسائه، فمال حينئذ إلى تسليم حلب وأخذ العوض منها، وأرسل مع الأمير طمان الياروقي وكان يميل إلى صلاح الدين أنه يسلم حلب ويأخذ عوضها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج، وجرت اليمين على ذلك وباعها بأوكس الأثمان، أعطى حصنا مثل حلب وأخذ عوضها قرى ومزارع، فنزل عنها ثامن عشر صفر وتسلمها صلاح الدين فعجب الناس كلهم من ذلك وقبحوا ما أتى به، حتى إن بعض عامة حلب أحضر إجانة وماء وناداه: أنت لا يصلح لك الملك وإنما يصلح لك أن تغسل الثياب، وأسمعوه المكروه (هو قولهم يا حمار بعت حلب بسنجار) . واستقر ملك صلاح الدين بملكها وكان مزلزلا فثبت قدمه بتسليمها وكان على شفا جرف، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له اه.
قال في الروضتين: وفي آخر يوم السبت ثامن عشر صفر نشر سنجق السلطان الأصفر على سور قلعة حلب وضربت له البشائر، وفي ذلك الوقت تخفى عماد الدين وخرج من القلعة ليلا إلى المخيم وأخذ في إخراج ما كان له بالقلعة من مال وسلاح وأثاث، وكان استناب الأمير حسام الدين طمان في القلعة حتى توافى رسله بتسليم سنجار ونصيبين والخابور إلى نوابه، وأعطى السلطان طمان الرقة لوساطته في أمر عماد الدين، وكان السلطان شرط أنه ما يريد من حلب إلا الحجر، فقط، وأذن لعماد الدين في أخذ جميع ما في القلعة وما يمكنه حمله فلم يترك عماد الدين فيها شيئا، وباع في السوق كل ما لم يتمكن
من حمله، وأطلق له السلطان بغالا وجمالا وخيلا برسم حمل ما يحتاج إلى حمله، وعمل له يوم الأحد تاسع عشر صفر دعوة عظيمة في الميدان الأخضر وأحضرها جميع الأمراء ومقدمي حلب. قال: وبينما السلطان على لذته بالدعوة والأخذ والعطاء والإنعام والحباء حضر إليه من عرفه وفاة أخيه تاج الملوك بسبب الضربة التي أصابته على حلب، فلم يتغير لذلك ولا اضطرب ولا انقطع عما كان عليه من البشاشة والفرح وبذل الإحسان، وأمر بستر ذلك وتوعد عليه إن ظهر، وكظم حزنه وأخفى رزيته وصبر على مصيبته، ولم يزل على طلاقته وبشاشته إلى وقت العصر، وفي ذلك الوقت انقضت الدعوة وتفرق الناس، فحينئذ قام رحمه الله واسترجع وبكى على أخيه، ثم أمر به فغسل وكفن وصلى عليه وأمر به فدفن بمقام إبراهيم صلّى الله عليه وسلم بظاهر حلب، ثم حمله بعد ذلك إلى دمشق ودفنه بها. قال: وكان تاج الملوك شابا حسن الشباب مليح الأعطاف عذب العبارة حلو الفكاهة مليح الرمي بالقوس والطعن بالرمح، وكان شجاعا باسلا مقداما على الأهوال، وكان قد جمع إلى ذلك الكرم واليقين في الأدب، وله ديوان شعر حسن متوسط فمنه: