ما كنت أول مشتاق إلى وطن ... بكى وحنّ إلى أحبابه وصبا
ولا بأول من لجّ الغرام به ... فباح لمّا شكى من قلبه وصبا
صبّ إذا لاح برق من ديارهم ... كأنما خلته من قلبه حلبا
يجانب النوم إن مرت بجانبه ... ريح الجنوب ويصبو أن تهب صبا
ويستطير اشتياقا كلما لمع ال ... برق اليمانيّ من تلقائهم وخبا
فهل معين لذي عين مسهدة ... عين من الدمع منها الماء ما نضبا
بادي الصبابة لا يصبو إلى عذل ... حلف الكآبة لا ينفك مكتئبا
أغراه بالوجد من أغراه بعدهم ... من التصبّر عنهم فاستحال هبا
يريك ظاهره بالعين باطنه ... فغير خاف سوى ما في الضمير خبا
قد كان يأمل أن يقضي الزمان له ... إليهم رجعة يقضي بها أربا
فعاقه قذل عما يحاوله ... فإن قضى بهم وجدا فلا عجبا
لو خيّر الخلد من أوطانه بدلا ... لم يرضها بدلا منها فدع حلبا
ولو تزف إليه الأرض قاطبة ... لم يرض أرضا سواها مسرحا وربا
وكيف أرضى بأرض ما وجدت بها ... صديق صدق حوى فضلا ولا أدبا
إلا أناسا سئمت العيش بعدهم ... إذا غدا الناس رأسا خلتهم ذنبا
لا يأمرون بمعروف كذاك ولا ... ينهون عن منكر خوفا ولا رعبا
إذا بلوتهم ألفيتهم نفرا ... وإن بلوتهم ألفيتهم أدبا
وإن نثرت عليهم كلما انتظموا ... در القريض جزوني عنه مشخلبا
وكلما حضروا أحضرت من أدبي ... مآدبا حار في آدابها الأدبا
طلس الدباب أضل الله سعيهم ... تطيلسوا اللؤم لما استعذبوا العذبا
وشر ما نالني فيها وأعجبه ... أني اتخذت الأعادي وصلة قربا
أقمت حولين في أكناف أكنفها ... حلف السقام أقاسي الهم والوصبا
لم أحظ منهم بحظ مذ حللت بها ... أغنى من الود لا مالا ولا نشبا
فقرب الله في الترحال عن بلد ... فيه الأجانب خير لي من القربا
وباعد الله داري من ديارهم ... ولا لقيّ لي إن سميتهم نسبا [1]
(1) هكذا في الأصل.