وحدثني بعض فقهاء العجم قال: كنا مع الشيخ شهاب الدين عند القابون ونحن مسافرون عن دمشق، فلقينا قطيع غنم مع تركمان فقلنا للشيخ: يا مولانا، نريد من هذه الغنم رأسا نأكله، فقال: معي عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم. وكان ثم تركماني فاشترينا منه رأسا بها ومشينا، فلحقنا رفيق له وقال: ردوا الرأس وخذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم، يسوى هذا الرأس البختي الذي معكم أكثر من الذي قبض منكم. وتقاولنا نحن وإياه. ولما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس وامشوا وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدمنا وبقي الشيخ يتحدث معه ويمنيه، فلما أبعدنا قليلا تركه
وتبعنا وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به وهو لا يلتفت إليه، ولا لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخليني؟ وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه وبقيت في يد التركماني ودمها يجري، فبهت التركماني وتحير في أمره، ورمى اليد وخاف، فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا، وبقي التركماني راجعا وهو يتلفت إلينا حتى غاب، ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديله لا غير.
وحدثني صفي الدين خليل بن أبي الفضل الكاتب قال: حدثنا الشيخ ضياء الدين ابن صقر رحمه الله تعالى أن في سنة خمسمائة وتسع وسبعين قدم إلى حلب الشيخ شهاب الدين السهروردي ونزل في مدرسة الحلاوية، وكان مدرسها يومئذ الشريف رئيس الحنفية افتخار الدين رحمه الله، فلما حضر شهاب الدين الدرس وبحث مع الفقهاء وكان لابس دلق وهو مجرد بإبريق وعكاز خشب، وما كان أحد يعرفه، فلما بحث وتميز بين الفقهاء وعلم افتخار الدين أنه فاضل أخرج له ثوبا عتابيا وغلالة وبقيارا وقال لولده: تروح إلى هذا الفقير وتقول له: والدي يسلّم عليك ويقول لك: أنت رجل فقيه وتحضر الدرس بين الفقهاء، وقد سير لك شيئا تكون تلبسه إذا حضرت، فلما وصل إلى الشيخ شهاب الدين وقال له ما أوصاه سكت ساعة وقال: يا ولدي حط هذا القماش وتفضل اقض لي حاجة، وأخرج له فص بلخش في قدر بيضة الدجاجة رمّاني ما ملك أحد مثله في قده ولونه وقال: تروح إلى السوق تنادي على هذا الفص، ومهما جاب لا تطلق بيعه حتى تعرفني. فلما وصل به إلى السوق قعد عند العريف ونادى على الفص، فانتهى ثمنه إلى مبلغ خمسة وعشرين ألف درهم، فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين وهو يومئذ صاحب حلب وقال: هذا الفص قد جاب هذا الثمن، فأعجب الملك الظاهر قده ولونه وحسنه فبلغه إلى ثلاثين ألف درهم، فقال العريف: حتى أنزل إلى ابن افتخار الدين وأقول له. وأخذ الفص ونزل إلى السوق وأعطاه له وقال له: رح شاور والدك على هذا الثمن. واعتقد العريف أن الفص لافتخار الدين، فلما جاء إلى شهاب الدين السهروردي وعرفه بالذي جاب الفص صعب عليه وأخذ الفص وجعله على حجر وضربه بحجر آخر حتى فتته، وقال لولد افتخار الدين: خذ يا ولدي هذه الثياب ورح إلى والدك قبّل يده عني وقل له: لو أردنا الملبوس ما غلبنا عنه، فراح إلى افتخار الدين وعرّفه صورة ما جرى، فبقي حائرا في قضيته.