فهرس الكتاب

الصفحة 1193 من 2877

أبدا تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح

وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لذيذ لقاكم ترتاح

وارحمة للعاشقين تكلفوا ... ستر المحبة والهوى فضّاح

بالسرّ إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء العاشقين تباح

وإذا هم كتموا تحدّث عنهم ... عند الوشاة المدمع السفّاح

وبدت شواهد للسقام عليهم ... فيها لمشكل أمرهم إيضاح

خفضوا الجناح لكم وليس عليهم ... للصب في خفض الجناح جناح

فإلى لقاكم نفسه مرتاحة ... وإلى رضاكم طرفه طمّاح

عودوا بنور الوصل من غسق الجفا ... فالهجر ليل والوصال صباح

صافاهم فصفوا له فقلوبهم ... في نورها المشكاة والمصباح

وتمتعوا فالوقت طاب بقربكم ... راق الشراب ورقّت الأقداح

مترنحا وهو الغزال الشارد ... وبخده الصهباء والتفاح

وبثغره الشهد الشهيّ وقد بدا ... في أحسن الياقوت منه أفاح

يا صاح ليس على المحب ملامة ... إن لاح في أفق الوصال صباح

لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى ... كتمانه فنمى الغرام فباحوا

سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها ... لما دروا أن السماح رباح

ودعاهم داعي الحقائق دعوة ... فغدوا بها مستأنسين وراحوا

ركبوا على سنن الوفا ودموعهم ... بحر وشدّة شوقهم ملّاح

والله ما طلبوا الوقوف ببابه ... حتى دعوا وأتاهم المفتاح

لا يطربون لغير ذكر حبيبهم ... أبدا فكل زمانهم أفراح

حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم ... فتهتكوا لما رأوه وصاحوا

أفناهم عنهم وقد كشفت لهم ... حجب البقا فتلاشت الأرواح

فتشبهوا في أن تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح

قم يا نديم إلى المدام فهاتها ... في كاسها قد دارت الأقداح

من كرم إكرام بدنّ ديانة ... لا خمرة قد داسها الفلّاح

وله في النظم والنثر أشياء لطيفة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها.

وكان شافعي المذهب، ويلقب بالمؤيد بالملكوت، وكان يتهم بانحلال العقيدة والتعطيل ويعتقد مذهب الحكماء المتقدمين، واشتهر ذلك عنه، فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤها بإباحة قتله بسبب اعتقاده وما ظهر لهم من سوء مذهبه. وكان أشد الجماعة عليه الشيخان زين الدين ومجد الدين أبناء جهبل.

وقال الشيخ سيف الدين الآمدي المقدم ذكره في حرف العين: اجتمعت بالسهروردي في حلب فقال لي: لابد أن أملك الأرض، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: رأيت في المنام كأني شربت ماء البحر، فقلت: لعل هذا يكون اشتهار العلم وما يناسب هذا، فرأيته لا يرجع عما وقع في نفسه، ورأيته كثير العلم قليل العقل.

ويقال إنه لما تحقق القتل كان كثيرا ما ينشد:

أرى قدمي أراق دمي ... وهان دمي فها ندمي

والأول مؤخوذ من قول أبي الفتح علي بن محمد البستي:

إلى حتفي مشى قدمي ... أرى قدمي أراق دمي

فلم أنفكّ من ندم ... وليس بنافعي ندمي

وكان ذلك في دولة الملك الظاهر صاحب حلب ابن السلطان صلاح الدين رحمه الله، فحبسه ثم خنقه بإشارة والده السلطان صلاح الدين، وكان ذلك في خامس رجب سنة سبع وثمانين بقلعة حلب وعمره ثمان وثلاثون سنة.

وقال القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد قاضي حلب في أوائل سيرة صلاح الدين:

وكان رحمه الله عليه كثير التعظيم لشعائر الدين، يقول ببعث الأجسام ونشورها، ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء بالنار، مصدقا بجميع ما وردت به الشرائع، منشرحا بذلك صدره، مبغضا للفلاسفة والمعطلة ومن يعاند الشريعة. ولقد أمر ولده صاحب حلب الملك الظاهر أعز الله أنصاره بقتل شاب نشأ يقال له السهروردي قيل عنه إنه كان معاندا للشرائع مبطلا،

وكان قد قبض عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره وعرّف السلطان به، فأمر بقتله فطلبه أياما فقتله (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت