قل لأصحاب رأوني ميّتا ... فبكوني إذ رأوني حزنا
لا تظنوني بأني ميّت ... ليس ذا الميّت والله أنا
أنا عصفور وهذا قفصي ... طرت عنه فتخلّى رهنا
وأنا اليوم أناجي ملأ ... وأرى الله عيانا بهنا
فاخلعوا الأنفس عن أجسادها ... لترون الحق حقا بيّنا
لا ترعكم سكرة الموت فما ... هي إلا إنتقال من هنا
عنصر الأرواح فينا واحد ... وكذا الأجسام جسم عمّنا
ما أرى نفسي إلا أنتم ... واعتقادي أنكم أنتم أنا
فمتى ما كان خيرا فلنا ... ومتى ما كان شرا فبنا
فارحموني ترحموا أنفسكم ... واعلموا أنكم في إثرنا
من رآني فليقوّي نفسه ... إنما الدنيا على قرن الفنا
وعليكم من كلامي جملة ... فسلام الله مدح وثنا
أقول: إن قبر السهروردي المترجم ضمن مسجد خارج باب الفرج، وذلك المكان مشهور عند العوام بالساليوردي، وهو عن يسار الزقاق المعروف ببوابة القصب الذي يرحل منه إلى محلة الجديدة، وللمسجد صحن متسع خرب. وفي سنة 1328وضعت دائرة المعارف يدها على هذا المكان واعتبرته من الأوقاف المندرسة، وعمرت هذا الصحن
مع جانب من المسجد طابقين أضافتهما إلى عقارات دائرة المعارف وآجرتهما إلى دائرة البرق والبريد. وقبر السهروردي درس وهو أمام باب الدائرة المذكورة بينه وبين الباب نحو خمسة أذرع، واتخذ له قبر آخر ضمن ما أبقي من المسجد مسجدا تغطية وتعمية كي لا يقال إنهم درسوا القبر، والمكان الذي أبقي من المسجد هو عن يسار الداخل من الباب الثاني الذي يصعد منه إلى الطابق العلوي المتخذ الآن دائرة البرق.
وبعد كتابة ما تقدم كتب لنا بعض من نثق به من الواقفين على أحوال هذا المكان ما خلاصته: لما فتحت جادة الخندق وأنشئ فيها المنازل والحوانيت صار بعض ذوي النفوذ يؤجرون الأرض التي هي أمام المسجد المذكور لباعة الفحم والحطب أملا بأن يتملكوها ويصير لهم حق التصرف، ولما شعر بذلك مفتش المعارف وقتئذ السيد نجيب أفندي الباقي فحص عن حقيقة هذا المسجد فوجد أنه زاوية يقام فيها الذكر، وفي ذلك حجج وأوامر سلطانية وجدت عند صبوحي داده شيخ التكية المولوية بكلّز، وبموجب قانون الأوقاف المندرسة وضع مجلس المعارف يده على هذه الزاوية وأرضى صبوحي داده بمبلغ 75ليرة عثمانية لقاء مصاريف أدعى أنه وضعها منه، وعمرت الزاوية المذكورة مع صحنها الواسع طابقين من غلة الأوقاف المندرسة وذلك في سنة 1328و 1329بقصد أن تؤجر الحوانيت التي في الطابق السفلي وتتخذ الطابق العلوي دائرة للمعارف، وهكذا تم الأمر وقتئذ، واتخذت الغرفة التي فوق المسجد للقراءة وجلب إليها كثير من الكتب العلمية والأدبية، وبقيت دائرة المعارف فيها سنة كاملة. ثم إن ناظر البرق والبريد في ذلك العهد حينما زار حلب استحسن هذا المحل وطلب أن يتخذ دائرة للبرق والبريد، وكان الوالي حينئذ جلال الدين بك، فوافقه على ذلك وأرغم إدارة المعارف أن تؤجره ب 500ليرة عثمانية سنويا إلى إدارة البرق والبريد، وتضعضعت تلك الكتب وصارت دائرة المعارف تنتقل من مكان إلى آخر داخل دار الحكومة.
ثم الذي وجدنا عليه أسلافنا من أهل حلب أنهم يعتقدون في السهروردي كل بركة وخير، ولم نجد في كلامه الذي قدمناه ما يستحق أن يفتى بحل دمه، هذا دعاؤه الذي يقول فيه: اللهم يا قيام الوجود إلخ. صريح في أنه مؤمن بالله وملائكته ورسله معلن فيه أن ثمة حشرا ونشرا، وما أشبه كلامه المنقول عن ابن خلكان بحكم ابن عطاء الله الإسكندري. ومعنى قوله:
لو علمنا أننا ما نلتقي ... لقضينا من سليمى الوطرا
أي لو علمنا أننا بعد الخلاص من أقفاص هذه الحياة لا نجد شيئا أي لا حشر هناك ولا نشر لتركنا هذه النفس تشرح في ميادين الشهوات وتتمتع بملاذ هذه الحياة، ولكن لعلمنا أن الحشر والنشر والعذاب والنعيم أمور واقعة لا محالة أعرضنا عن زهرة الحياة الفانية ووجهنا القلوب إلى ما فيه البقاء السرمدي والنعيم الأبدي وهو الحياة الأخروية كما قال الله تعالى: