أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آانت أم أمّ سالم
فقال له الشيخ: إن هذا الشاعر لشدة وله في المحبة وعظم وجده بهذه المحبوبة أم سالم وكثرة مشابهتها للغزال كما جرت عادة الشعراء في تشبيههم النساء الصباح الوجوه بالغزلان
والمها اشتبه عليه الحال فلم يدر هل هي امرأة أم ظبية فقال: آانت أم أم سالم. وأطال الشيخ موفق الدين القول في ذلك وبسط بأحسن عبارة بحيث يفهمه البليد البعيد الذهن، وذلك الفقيه منصت مقبل على كلامه بكليته، حتى يتوهم من يراه على تلك الصورة أنه قد تعقل جميع ما قاله الشيخ من شرحه، فلما فرغ الشيخ من قوله قال له الفقيه: يا مولانا أيش في هذه المرأة الحسناء يشبه الظبية؟ فقال له الشيخ قول منبسط: تشبهها في ذنبها وقرونها، فضحك الحاضرون وخجل الفقيه، وما عدت رأيته حضر مجلسه.
وكنا يوما نقرا عليه بالمدرسة الرواحية فجاءه رجل من الأجناد وبيده مسطور بدين، وكان الشيخ له عادة بالشهادة في المكاتيب الشرعية، فقال: يا مولانا أشهد على ما في هذا المسطور، فأخذه الشيخ من يده وقرأ أوله: أقرت فاطمة، فقال له الشيخ: أنت فاطمة؟
فقال الجندي: يا مولانا الساعة تحضر، وخرج إلى باب المدرسة فأحضرها وهو يتبسم من كلام الشيخ.
وكنا يوما نقرأ عليه في داره فعطش بعض الحاضرين وطلب من الغلام ماء، فأحضره، فلما شرب قال: ما هذا إلا ماء بارد، فقال له الشيخ: لو كان خبزا حارا كان أحب إليك.
وكنا يوما عنده بالمدرسة الرواحية فجاء المؤذن وأذّن قبل العصر بساعة جيدة، فقال الحاضرون: أيش هذا يا شيخ وأين وقت العصر؟ فقال الشيخ موفق الدين: دعوه عسى أن يكون له شغل فهو مستعجل.
وكان يوما عنده القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد قاضي حلب، فجري ذكر زرقاء اليمامة وأنها كانت ترى الشيء من المسافة البعيدة حتى قيل: تراه من مسيرة ثلاثة أيام، فجعل الحاضرون يقولون ما علموه من ذلك، فقال الشيخ موفق الدين: أنا أرى الشيء من مسيرة شهرين، فتعجب الكل من قوله وما أمكنهم أن يقولوا له شيئا، فقال له القاضي: كيف هذا يا موفق الدين؟ فقال: لأني أرى الهلال، فقلت له: كان قلت مسافة كذا وكذا سنة، فقال: لو قلت هذا عرف الجماعة الحاضرون (غرضي، وكان قصدي الإبهام عليهم) [1] .
(1) ما بين قوسين إضافة من وفيات الأعيان ليست في الأصل.