أجهّز زيدا للرحيل وإنني ... بتجهيز زيد للرحيل ضنين
وحدثني أطال الله بقاءه قال: كنت وأنا صبي قد قدمت من مصر واستصحبت سنّورا أصبهانيا على ما تقتضيه الصبوة، واتفقت أن ولدت عدة من الأولاد في دارنا، فنزل سنّور ذكر فأكل بعض تلك الجراء، فغمني ذلك وأقسمت أن لابد لي من قتل الذي أكلها، فصنعت شركا ونصبته في علّيّة في دارنا وجلست، فإذا بالسنّور قد وقع في الحبالة، فصعدت إليه وبيدي عكاز وفي عزمي هلاكه، وكان لنا جيرة وقد خرب الحائط بيننا وبينهم ونصبوا فيه بارية إلى أن يحضر الصناع، وكان لرب تلك الدار بنتان لم يكن فيما أظن أحسن منهما صورة وجمالا وشكلا ودلالا، وكانتا معروفتين بذلك في بلدنا وكانتا بكرين، فلما هممت بقتله إذا قد انكشف جانب البارية فوقعت عيني على ما بهر المشايخ فيكف الشبان حسنا وجمالا. وإذاهما تومئان إليّ بالأصابع تسألاني إطلاقه، قال: فأطلقته
ونزلت وفي قلبي ما فيه لكوني كنت أول بلوغي، والوالدة جالسة في الدار لمرض كان بها فقالت لي: ما أراك قتلته كما كان عزمك، فقلت لها: ليس هو المطلوب إنما هو سنّور غيره، فقالت: ما أظن الأمر على ذلك، ولكن هل أومىء إليك بالأصابع حتى تركته؟
فقلت: من يومئ إليّ؟ ولا أعرف معنى كلامك، فقالت على ذلك: يا بنيّ اسمع مني ما أقول لك:
ثنتان لا أرضى انتهاكهما ... عرس الخليل وجارة الجنب
وكان مع هذا البيت بيت آخر أنسيته، قال: فو الله لكأن ماء وقع على نار فأطفأها، فما صعدت بعد ذلك إلى سطح ولا غرفة إلى أن فارقت البلاد، ولقد جاء الصيف فاحتملت حره ولم أصعد إلى سطح تلك الصيفية. ثم وجدت هذا البيت في أبيات الأحوص بن محمد، منها:
قالت وقلت تخرّجي وصلي ... حبل امرىء كلف بكم صبّ
صاحب إذا بعلي فقلت لها ... الغدر أمر ليس من شعبي
ثنتان لا أصبو لوصلهما ... عرس الخليل وجارة الجنب
الشوق أقتله برؤيتكم ... قتل الظما بالبارد العذب
قال لي: ولدت في أحد ربيعي سنة 568بمدينة قفط من الصعيد الأعلى إحدى الجزائر الخالدات حيث الأرض الأربعة وعشرون في أول الإقليم الثاني، وبها قبر قبط بن مصر ابن سام بن نوح.
ونشأ بالقاهرة. اجتمعت بخدمته في حلب فوجدته جم الفضل كثير النبل عظيم القدر سمح الكف طلق الوجه حلو البشاشة، وكنت ألازم منزله ويحضر أهل الفضل وأرباب العلم، فما رأيت أحدا فاتحه في فن من فنون العلم كالنحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والأصول والمنطق والرياضة والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل وجميع فنون العلم على الإطلاق إلا وقام به أحسن قيام، وانتظم في وسط عقدهم أحسن انتظام. وله تصانيف أذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
أنشدني لنفسه بحلب في جمادى الآخرة سنة 613:
ضدان عندي قصّرا همّتي ... وجه حييّ ولسان وقاح
إن رمت أمرا خانني ذو الحيا ... ومقولي يطمعني في النجاح
فأنثني في حيرة منهما ... لي مخلب ماض وما من جناح
شبه جبان فر من معرك ... خوفا وفي يمناه عضب الكفاح
وأنشدني أدام الله علوه في أعور لنفسه: