ولا تكتب بكفّك غير شيء ... يسرّك في القيامة أن تراه
وكان المحصول من ضمان ما أطلق ما مقداره مائتا ألف درهم في السنة، وأن أضيف
إليه ما يستقبل في السنة الآتية من رخص الكروم وتعطيل ضماناتها وقلة دخلها بهذا السبب ألف ألف درهم أو ما يقاربها.
وحدثني أدام الله علوه قال: حججت في موسم 608وكان والدي في صحبتي، فصادفت بمكة جماعة من أهل بلدنا، وكنت بعيد العهد بلقاء أحد منهم، فرآني رجل فالتحق بي كما جرت العادة، ثم عاد إلى من في صحبته من بلدنا فأخبرهم بنا فجاءوهم إلى منزلنا فقضوا حقنا بالسلام والسؤال والحرمة، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فجاء كل واحد منهم بما حضره لم يحتفلوا له، وكان فيما جاؤونا به ظرف كبير مملوء عسلا وآخر سمنا على جمل وهو وقره، فألقاه في خيمتنا، فأمرت الغلمان أن يعملوا منه حيسا فيكثروا على عادة تلك البلاد، وأكلنا وأكثرنا زيادة على ما جرت به عادتنا، ثم طفنا بالبيت وعدنا إلى رحالنا ونمت، فرأيت في النوم كأني في الحرم أطوف وإذا رجل شديد الأدمة مشوه الخلقة فأخذ بيدي وأخرجني من الحرم من باب إبراهيم، فإذا به قد وقفني على الظرفين بعينهما لا أرتاب بهما، فقال لي: أتعرف هذين؟ فقلت: نعم، هذان ظرفان جاءنا بهما رجل على سبيل الهدية أحدهما سمن والآخر عسل، فقال لي: ليس الأمر كذلك، ثم حط يده على بطنهما وعصر فخرج من فمهما نار أحسست بلفحها في وجهي، وجعلت أمسح فمي من شدة حرهما، وانزعجت من هول ما رأيت وقمت من فراشي خائفا فما استطعت النوم إلى الغداة.
واجتمعت بمهديهما وكان يعرف بابن أبي شجاع، فقلت له: أخبرني عن هذين الظرفين ما خبرهما؟ فقال: اشتريتهما وجئت بهما، فقلت: يا هذا، هل فيهما شبهة؟
فحلف أنهما من خالص ماله، فأخبرته بالحال فبكى حينئذ ومد يده فأخذ بيدي وعاهدني أن يخرج من عهدته وقال: والله ما أعرف أن في مالي شبهة، إلا أن لي أختين ما أنصفتهما في تركة أبيهما، وأنا أعاهد الله أنني أرجع من وجهي هذا وأعطيهما حتى أرضيهما. قال الصاحب أدام الله علوّه: فعلمت أنها لي موعظة، فعاهدت الله أن لا آكل بعدها من طعام لا أعرف وجهه. فكان لا يأكل لأحد طعاما، ويقول الناس لا يعرفون بواطن الأمور ويظنونني أقول ذلك كبرا، ومن أين لي بما يقوم بعذري عندهم.
ثم كنت بعد ذلك في حضرته بمنزله المعمور وقد عاد من القلعة بحلب فقال لي: جرت اليوم ظريفة، فقلت: هات خبرها أدام الله إمتاعنا بك، فما زلت تأتي بالظرائف
والطرف، فقال: حضرت اليوم في مجلس الملك الرحيم أتابك طغرل الظاهري وحضرت المائدة وفيها طعام الملوك، شواء وشرائح وسنبوسج وحلاوات وغيرها كما جرت العادة، فتأملته فنفرت نفسي منه ولم تقبله مع كوني قد قارب الظهر ولم أتغد، فلم أنبسط ولا مددت يدي إليه، فقال لي: مالك لا تأكل؟ وكان قد عرف عادتي، فقلت له: