فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 2877

قال القاضي ابن شداد: وفي سابع عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وصل الملك الأفضل علي (ابن السلطان صلاح الدين ونائبه بمصر) إلى دمشق ولم يكن قد رأى قبل ذلك الشام، وكان السلطان رأى رواح الملك العادل إلى مصر فإنه كان آنس بأحوالها من الملك المظفر، فما زال يفاوضه بذلك وهو على حران مريض، وقد حصل ذلك في نفس الملك العادل، فإنه كان يحب الديار المصرية، فلما عاد السلطان إلى دمشق ومنّ الله بعافيته سير يطلب الملك العادل إلى دمشق، فأقام بها في خدمة السلطان فجرت بينهما أحاديث ومراجعات في قواعد تقرر إلى جمادى الآخرة، واستقرت القاعدة على عود الملك العادل إلى مصر وتسليم حلب إلى الظاهر. وكان الملك الظاهر والملك العزيز بدمشق في خدمة والدهما، فلما استقرت القاعدة على عود الملك العادل إلى مصر استقرت على أن يكون أتابك الملك العزيز ويسلمه ولده يربي أمره ويسلم الملك العادل حلب إلى الملك

الظاهر. ولقد قال لي الملك العادل: إنه لما استقرت عليه هذه القاعدة واجتمعت بخدمة الملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما قلت للملك العزيز: يا مولاي إن السلطان قد أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر وأنا أعلم أن المفسدين كثير، وغدا فما نخلو ممن يقول ما لا يجوز عني ويخوفك مني، فإن كان لك عزم تسمع فقل لي حتى لا أجيء، فقال:

لا أسمع وكيف يكون ذلك، ثم التفت. وقلت للملك الظاهر: أنا أعرف ان أخاك ربما سمع في أقوال المفسدين وأنا فمالي إلا أنت، وقد قنعت منك بمنبج متى ضاق صدري من جانبه، فقال: مبارك وذكر كل خير.

ثم إن السلطان سير ولده الظاهر إلى حلب وأعادها إليه، وكان رحمه الله يعلم أن حلب هي أصل الملك وجرثومته وقاعدته ولهذا دأب في طلبها ذلك الدأب، ولما حصلت له أعرض عما عداها من بلاد المشرق وقنع منهم بالطاعة والمعونة على الجهاد فسلمها إليه علما منه بحذاقته وحزمه وحفظه، فسار حتى أتى العين المباركة وسير في خدمته الشحنة حسام الدين بشارة وواليا شجاع الدين عيسى بن بلاشوا، فنزل يوم الجمعة بعين المباركة وخرج الناس إلى لقائه في بكرة تاسع جمادى الآخرة، وصعد القلعة ضحوة نهاره وفرح الناس به فرحا شديدا، ومد على الناس من جناح عدله وأفاض عليهم وابل فضله.

قال ابن الأثير في حوادث هذه السنة: وقد بلغني من خبير بأحوال صلاح الدين أنه إنما حمله على أخذ حلب من العادل وإعادة تقي الدين إلى الشام أن صلاح الدين لما مرض بحران على ما ذكرناه أرجف بمصر أنه قد مات فجرى من تقي الدين حركات من يريد أن يستبد بالملك، فلما عوفي صلاح الدين بلغه ذلك فأرسل الفقيه عيسى الهكاري [1] ، وكان كبير القدر عنده مطاعا في الجند إلى مصر وأمره بإخراج تقي الدين والمقام بمصر، فسار مجدا فلم يشعر تقي الدين إلا وقد دخل الفقيه عيسى إلى داره بالقاهرة وأرسل إليه يأمره بالخروج منها، فطلب أن يمهل إلى أن يتجهز فلم يفعل وقال: تقيم خارج المدينة وتتجهز، فخرج وأظهر أنه يريد الدخول إلى الغرب فقال له: اذهب حيث شئت، فلما سمع صلاح الدين الخبر أرسل إليه يطلبه، فسار إلى الشام فأحسن إليه ولم يظهر له شيئا مما كان لأنه كان حليما كريما صبورا رحمه الله.

(1) عيسى هذا له ترجمة في ابن خلكان وهو فقيه وأمير كان يلبس ثياب الأجناد ويتعمم عمامة الفقهاء، وقد ذكره القاضي ابن شداد في السيرة الصلاحية في صحيفة 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت