فهرس الكتاب

الصفحة 1524 من 2877

حدثني العلامة قاضي القضاة محب الدين محمد بن الشحنة الحلبي الحنفي، حدثني النجم عبد الخالق بن محمد بن عبد الخالق بن الوردي، حدثني الشرف أبو بكر بن الزين عمر ابن الوردي أن الكمال أبا القاسم عمر بن عثمان المعري قاضي الشافعية بحلب كان له جار من أبناء الجند اسمه أحمد بن محمود بن صدقة، وكان ذا مال كثير، وكان لا يتحاشى عن فعلة منكر، وكان فاضلا، وكان مع تهتكه جريئا لا يرد لسانه عن شيء، فكان يحفظ عليه أشياء من الكفريات، فكان قبيح الفعل والقول، وكان يبغض الكمال المذكور، وكان يؤذيه ويحتمله الكمال، إلى أن ركب يوما للتدريس ببعض وظائفه، فمر على ابن صدقة فتنخم ابن صدقة وبصق وقال: على لحيتك يا كذا، فسمعها الكمال. قال الشرف ابن الوردي: وكنت إلى جانبه وكان في وجهه أثر ضربة حافر بغل، فكان إذا اغتاظ اختلج ذلك الأثر فاختلج فاشتد اختلاجه، قال: فقلت في نفسي: راحت والله روح ابن صدقة ببصقة، فوصل الكمال إلى تلك المدرسة فوقف قليلا ولم ينزل، ثم مضى إلى

دار النيابة فاجتمع بنائب حلب جرجي، ثم رجع فذهب إلى الشيخ شهاب الدين الأذرعي فاجتمع به واجتمع ببقية قضاة حلب، وكان المالكي الصدر الدميري، ثم رجع إلى بيته فسئل عن السبب في ذلك فإذا هو قد سأل النائب الإذن في الدعوى على ابن صدقة بما يرتكبه، فأجابه وطلب فوضع في السجن، وسعى الكمال في الشهود فحصلهم وضبط مقالاتهم فيه وأتقن الأمر وأحضر ابن صدقة في صبيحة الغد فادعى عليه عند الصدر الدميري المالكي وأقيمت عليه البيّنة ورد في السجن، فنظم قصيدة أولها:

رماني زماني بالقطيعة والضنك ... وجار فأجرى في بحار الردى فلكي

تقاسم مني المال من ليس وارثي ... فللمالكي روحي وللشافعي ملكي

ومخلصها وهي في التاج السبكي قاضي دمشق:

وإني سآوي عند طوفان غدرهم ... إلى جبل العلياء تاج العلا السبكي

وأرسلها إليه بدمشق يسأله فيها حقن دمه.

قال ابن الشحنة: قال عمي فتح الدين: لما سمع أبوك أخي الشيخ محب الدين هذه القصيدة قال: هلك والله كما هلك ابن نوح القائل {سَآوِي إِلى ََ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمََاءِ}

قال: وأرسل ابن صدقة إلى النائب من وعده بمال فمال إلى إطلاقه، فحضر القضاة ومعهم الشيخ شهاب الدين الأذرعي فقالوا للنائب عنه فوجدوه مترددا في أمره، فقال الأذرعي للمالكي: أنت يا قاضي القضاة حكمت بإراقة دم ابن صدقة هذا؟ فقال:

نعم حكمت بإراقة دمه، فقال: قم يا أمير فاحضر ضرب عنقه، فلم يسعه إلا الامتثال، فقاموا إلى الموضع الذي يقتل فيه، فصار ابن صدقة يقول: يا جرجي {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللََّهُ} فقال: القضاة فعلوا ذلك، فقال شخص معه: ادفعوا هذه الورقة إلى الأمير، فدفعها إليه فخطفها الأذرعي فمزقها قبل أن يعلم النائب ما فيها، وضربت عنق ابن صدقة. وبعد يوم أو يومين حضر من التاج السبكي حكم بحقن دمه فإذا الأمر قد فات اهـ.

قال في «المختار من الكواكب المضية» : ومن شعر أحمد بن صدقة مضمنا للبيت الأخير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت