فهرس الكتاب
وكان رحمه الله حسن العقيدة كثير الذكر لله تعالى، قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء، وكان قد جمع له الشيخ قطب الدين النيسابوري عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب، وكان من شدة حرصه عليها يعلمها للصغار من أولاده حتى ترسخ في أذهانهم في الصغر. وكان شديد المواظبة على الصلاة بالجماعة، حتى إنه ذكر يوما أن له سنين ما صلى إلا جماعة. وكان إن مرض يستدعي الإمام وحده ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة. وكان يواظب على السنن الرواتب، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل، وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح. ولقد رأيته قدس الله روحه يصلي في مرضه الذي مات فيه قائما وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه. وأما الزكاة فإنه مات رحمه الله ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة. وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال، فإنه ملك ما ملك ومات ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية جرما واحدا ذهبا، ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئا من أنواع الأملاك. وكان رحمه الله تعالى يحب
سماع القرآن العظيم ويستجيد إمامه ويشترط أن يكون عالما بعلم القرآن العظيم متقنا لحفظه. وكان يستقرىء من يحرسه في الليل وهو في برجه الجزأين والثلاثة والأربعة وهو يسمع، وكان رحمه الله خاشع القلب رقيقه عزير الدمعة إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته. وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع الحديث، وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالا له. وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه، وتردد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية وروى عنه أحاديث كثيرة. وكان يحب أن يقرأ الحديث بنفسه، وكان يستحضرني في خلوته ويحضر شيئا من كتب الحديث ويقرؤها هو، فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت عينه.
وكان رحمه الله كثير التعظيم لشعائر الدين، يقول ببعث الأجسام ونشورها ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء بالنار، مصدقا بجميع ما وردت به الشرائع منشرحا بذلك صدره مبغضا للفلاسفة والمعطلة ومن يعاند الشريعة.
ولقد كان رحمه الله عادلا رؤوفا رحيما ناصرا للضعيف على القوي، وكان يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفرا وحضرا. على أنه كان في جميع زمانه قابلا لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم، ويفتح باب العدل ولم يرد قاصدا للحوادث والحكومات.
وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل وإما في النهار، ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه، ولم يرد قاصدا أبدا ولا منتحلا ولا طالب حاجة، وهو مع ذلك دائم الذكر والمواظبة على التلاوة.
وكرمه قدّس الله روحه كان أظهر من أن يسطر وأشهر من أن يذكر، وكان يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حالة السعة، وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئا من المال حذرا أن يفاجئهم مهم لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه. وسمعته يقول في معرض حديث جرى: يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب، فكأنه أراد بذلك نفسه رحمه الله.