وأرسل الملك الظاهر إلى أخيه الملك الأفضل يشير عليه بقصد دمشق وأخذها من عمه الملك العادل وأن ينتهز الفرصة لاشتغال العادل بحصار ماردين، فبرز الملك الأفضل من مصر وسار إلى دمشق، وبلغ الملك العادل مسيره إلى دمشق فترك على حصار ماردين ولده الملك الكامل، وسار العادل وسبق الأفضل ودخل دمشق قبل نزول الأفضل عليها بيومين، ونزل الملك الأفضل على دمشق ثالث عشر شعبان من هذه السنة، وزحف من الغد على البلد وجرى بينهم قتال، وهجم بعض عسكره المدينة حتى وصل إلى باب البريد ولم يمدهم العسكر، فتكاثر أصحاب الملك العادل وأخرجوهم من البلد، ثم تخاذل العسكر فتأخر الأفضل إلى ذيل عقبة الكسوة، ثم وصل إلى الملك الأفضل أخوه الظاهر
صاحب حلب فعاد إلى مضايقة دمشق ودام الحصار عليها وقلت الأقوات عند الملك العادل وعلى أهل البلد وأشرف الأفضل والظاهر من الخلف وخرجت السنة وهم على ذلك.
ثم دخلت سنة 596والملكان الأفضل والظاهر محاصران لمدينة دمشق واتفق وقوع الخلف بين الأخوين الأفضل والظاهر، وسببه أنه كان للملك الظاهر مملوك يحبه اسمه أيبك ففقد ووجد عليه الملك الظاهر وجدا عظيما وتوهم أنه دخل دمشق، فأرسل من تكشف خبره وأطلع الملك العادل وهو محصور على القضية، فأرسل إلى الظاهر يقول له: إن محمود بن الشكري أفسد مملوكك وحمله إلى الأفضل أخيك، فقبض الظاهر على ابن الشكري فظهر المملوك عنده فتغير الظاهر على أخيه الأفضل وترك قتال العادل، وظهر الفشل في العسكر فتأخر الأفضل والظاهر عن دمشق وأقاما بمرج الصفّر إلى أواخر صفر، ثم سارا إلى رأس الماء ليقيما به إلى أن ينسلخ الشتاء، ثم انثنى عزمهما وسار الأفضل إلى مصر والظاهر إلى حلب على القريتين، ولما تفرقا خرج الملك العادل من دمشق وسار في إثر الأفضل إلى مصر، ولما وصل الأفضل إلى مصر تفرقت عساكره في بلادهم لأجل الربيع فأدركه عمه العادل فخرج الأفضل بمن بقي عنده من العسكر وضرب معه مصافا بالسايح فانكسر الأفضل وانهزم إلى القاهرة. ونازل العادل القاهرة ثمانية أيام فأجاب الأفضل إلى تسليمها على أن يعوض عنها ميافارقين وحاني وسميساط فأجابه العادل إلى ذلك ولم يف له به. (ثم قال) : ولما استقرت المملكة للملك العادل أرسل إليه الملك المنصور صاحب حماة يعتذر إليه مما وقع منه بسبب أخذه بعرين من ابن المقدم، فقبل الملك العادل عذره وأمره برد بعرين إلى ابن المقدم، فاعتذر الملك المنصور عنها بقربها من حماة ونزل عن منبج وقلعة نجم لابن المقدم عوضا عن بعرين، فرضي ابن المقدم بذلك لأنهما خير من بعرين بكثير، وتسلمهما عز الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الملك بن المقدم وكان له أيضا فامية [1] وكفر طاب وخمس وعشرون ضيعة من المعرة.
وكذلك كاتب الملك الظاهر عمه الملك العادل وصالحه وخطب له بحلب وبلادها وضرب السكة باسمه، واشترط الملك العادل على صاحب حلب أن يكون خمسمائة فارس من خيار عسكر حلب في خدمة الملك العادل كلما خرج إلى البيكار، والتزم صاحب حلب بذلك اه.
(1) هي أفامية، وقال في معجم البلدان: ويسميها بعضهم فامية بعير همزة.