ومحرابها وحائطها القبلي وقناطرها من الرخام الأسود والأصفر، وأبوابها من المنجور في غاية الحسن، وصانع ذلك هو الحاج أحمد بن الفقيه بترتيب الحاج عبد الله الخشاب وكان من أهل الخير، إلا باب الشباك الذي عند قبر ولد الواقف فإنه من صنعة شخص أعجمي حضر إلى حلب فادعى معرفة الصنعة فاستعمله القاضي شهاب الدين في هذا الباب وفي حاجبه فكلفه عليه كلفة زائدة عن حده، فأصرفه واستعمل الحاج أحمد المذكور، وكان يقول لو عملت هذا الباب من ذهب ما كلفت عليه هذا القدر. ورخام صحنها في غاية الجودة، وتأنق القاضي شهاب الدين المذكور في بنائها وجعل له فيها خلوة لينقطع عن المباشرات فيها. وكان مغرما بهذا الجامع مكثرا لذكره، وعمل لنفسه جبة من الصوف الأسود ليلبسها عند جلوته في الخلوة، واقتطع من ملكه وشرى أملاكا فوقفها على هذا الجامع، وشرى كتبا نفيسة ووقفها عليه، ورتب خطيبا فخطب بهذا الجامع، وقد خطب به الشيخ عمر الأعزازي وهو من أهل الخير والصلاح، وخطب به شيخنا محمد الأعزازي وسيأتي تاريخ وفاته مع ترجمته، ورتب مدرسا فدرس بها الشيخ علي الكردي تلميذ والدي وهو من أهل الفضل، وكان والدي يميل إليه ويحبه، ودرس بها الشيخ العلامة قاضي المسلمين أبو بكر بن إسحق الحنفي والشيخ شمس الدين أمير حاج المعري أحضره القاضي شهاب الدين من القاهرة وكان صوفيا منقطعا عن الناس عارفا بالقراءات، وأول إجلاس
عمله بالجامع المذكور حضر معه شيخنا المؤرخ وتكلم على أول سورة فاطر، ودرس بها الشيخ العالم الصالح الشيخ عبيد وستأتي ترجمته، ثم لما آل الأمر والكلام على هذا الجامع لولده الزيني عمر كشط على الكتب من الوقف واستأصلها بيعا وآجر وقفها وشرط في كتاب وقفها محدثا يقرأ البخاري والسيرة النبوية وأن يصرف لشخص كل شهر مبلغ ليكنس الشارع الشرقي ويرشه لئلا يدخل الغبار إلى مدرسته.
وجدد بها ولده الزيني عمر بعده شيئا من الأبواب المنجورة ووقف واقفها لها ربعة تفرق يوم الجمعة ورتب لها مؤذنين للأوقات الخمس وإماما وقراء سبع في كل يوم طرفي النهار ويوم الجمعة قبل الصلاة وبعدها وقارىء كرسي وغير ذلك من خبز ومشتغلين.
انتهى. وقد أقام القاضي شهاب الدين القاضي كمال الدين ابن الخطيب يكتب مصروف عمارة المدرسة، فلما وصل إلى صرف خمسة آلاف أفلوري [1] أمره بالإمساك عن الحساب وأن لا يرفع إليه حساب بعد اليوم. والصورة النحاس التي معلقة بها وقف المدرسة الصلاحية أخذها ووضعها في هذه المدرسة [2] . وابتدىء في عمارتها في أواخر سنة إحدى وعشرين وتمت في أوائل سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة. وتوفي واقفها رحمه الله تعالى بالقاهرة ثالث عشر رمضان سنة خمس وثلاثين ودفن بالقرافة عند أخيه ناصر الدين وترجمته مستوفاة عند أقاربه اهـ.
أقول: لم يزل باب هذا الجامع باقيا من عهد الواقف وكذا منارته البديعة التي هي فوق الباب، وقد كان موقف المؤذنين فيها متهدما ولعله كان ذلك في زلزلة سنة 1237، وقد رممت سنة 1344. وهذه المنارة أخذت بالمصور الشمسي كثيرا قبل بناء ما تهدم منها، وقبليته ليست واسعة، ومنبرها الآن من خشب ولا سدة هناك، وفي الجهة الشرقية من القبلية ساحة مبلطة فيها ثلاثة قبور أحدها مما يلي القبلة قبر الناصري ناصر الدين محمد ابن السفاح، والثاني قبر صالح بن السفاح المتوفى سنة 946، والثالث قبر القاضي أبي بكر أحمد بن السفاح المتوفى سنة 923، والشباك الكبير المطل على الجادة من الجهة الشرقية لم يزل باقيا غير أنه لا أثر للنجارة التي ذكرها أبو ذر في الأبواب والشباك، والموجود أبواب وشبابيك اعتيادية لا زخرفة فيها.
(1) نوع من النقود. قال أحمد تيمور باشا في فهرست كنوز الذهب: الفرينو كان بمصر والشام يقال له فيروني وذلك من نحو قرن.
(2) لا أثر لها الآن.