فهرس الكتاب
لئن فخرت بالسبق طيء بحاتم ... وطالت به في الملتين كرامها
فبابن خطيب الناصرية أصبحت ... على هامة الجوزاء تبنى خيامها
وما ضر خير المرسلين جميعهم ... إذا سبقته الرسل وهو ختامها
ثم حضر ابن الخرزي إلى حلب بسرعة في أثناء شهر صفر من سنة ثلاث وأربعين ولبس تشريفه وسكن ببيت ابن سلار بالجلّوم، فبلغ ذلك شيخنا فهم بالسلام عليه وأن يرسل له شيئا من الهدية، فجاء إليه من أشار عليه أولا بما تقدم ومنعه من ذلك، فأقام القاضي الجديد بحلب وأقام شيخنا ملازما بيته للأشغال والاشتغال. وكان مكبا على ذلك محبا للعلم وأهله وأذكر لك صفة اشتغاله، كان يخرج من بيته إلى بيت الكتب من ثلث الليل الأخير فيطالع إلى صلاة الصبح، ثم يصلي الصبح ثم يشتغل حتى يضحي النهار، فيفتح عليه الباب للقضاء بين الناس فتدخل عليه الفتاوي والأوراق فيكتب على الفتاوي والأوراق، فإذا فرغ من ذلك أقبل على المطالعة، فإن جاء أحد يحدثه يجده يطالع فلا يتكلم معه إلا كلمة أو كلمتين، ثم يقبل على المطالعة فإذا قرب الظهر أغلق الباب وأقبل على المطالعة حتى يدخل وقت العصر، فيصلي العصر ثم يجيء إلى المدرسة الشرفية إلى عند
والدي رحمهما الله تعالى فيذكر له ما أشكل، فيتذاكر معه إلى قريب المغرب، ثم يذهب إلى بيته ثم يدخل إلى حريمه.
فلما أقام شيخنا في بيته على الصفة المذكورة جاء إليه من جاء إليه أولا وثانيا وقال له: الرأي في ذهابك إلى مصر ليزيل ما في خاطر السلطان منك، وإن أنت أقمت يقول السلطان: هذا عزلته فما التفت إليّ ويتأثر منك ويحصل شر عظيم. فما زال به حتى حركه للسفر إلى القاهرة، فاتم بذلك وسافر من حلب إلى القاهرة فدخلها رابع عشر ربيع الآخر من سنة ثلاث وأربعين كما قاله شيخنا شيخ الإسلام أبو الفضل (الحافظ بن حجر) ونزل ببيت صديقه القاضي شرف الدين المشار إليه، وخرج وسلم على السلطان، فأرسل له ألف دينار، فقال السلطان: هذا يرشى على القضاء، فبلغ ذلك شيخنا فخرج إليه وقال له: هذا قدمته لمولانا السلطان لا على سبيل الرشوة، بل كنت نذرت إن مكن الله السلطان ممن خرج عن طاعته يكون عندي لبيت مال المسلمين ألف دينار، ففرح السلطان بذلك ظاهرا. ولما سافر من حلب قال القاضي ابن الخرزي: استعجل القاضي علاء الدين في ذهابه إلى القاهرة فإن السلطان لا يوليه هذه الأيام، فكان ما قال.
فأقام شيخنا بالقاهرة والناس يأتون إليه من كل فج ويتكلمون معه في العلوم الشرعية وهو يتكلم معهم، فكل أحد أثنى على فضله وعلمه، فقدم للقاهرة خطط نائب القلعة بحلب، وكان له يد عند السلطان لأنه هو الذي أمسك القلعة له وحفظها عليه ولم يمكن تغري ورمش من أخذها، ففرح السلطان به وخلع عليه وأعاده إلى ولايته، فلما خلع عليه خلعة السفر استعرض حوائجه فقال: أريد أن تولي قاضي حلب القضاء وأن آخذه معي، فأجاب إلى ذلك وخلع عليه وأعاده إلى وظيفته، فسافر إلى حلب وكان ذلك في أثناء شعبان قاله شيخنا أبو الفضل (ابن حجر) ، وسافر ابن الخرزي الى حماة وكان ذلك في الشتاء، فمرض شيخنا المذيل في الطريق ووصل إلى حلب وهو متوعك في أواخر رمضان، ثم ثقل في المرض ودخل عليه طبيبه وهو سليمان الحكيم فقال له: ما وجعي؟
قال: ذات الجنب، فشق عليه ذلك لأنه يعلم أنه من الأمراض المخوفة، وصار يكرر:
ذات الجنب ذات الجنب، فقال له بعض الحاضرين: قتلته، فتزايد به الألم إلى أن مات ليلة عاشر ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وصلي عليه عند باب دار العدل ثم عند جامع دمرداش ثم عند جامع الطواشي ثم خارج باب المقام، ودفن في تربة أعدها لنفسه خارج
باب المقام رحمه الله تعالى.