فهرس الكتاب

الصفحة 1861 من 2877

وبالجملة فقد كان شيخ الطلبة ومرشد من طلبه، وكان في علوم العربية فارسا لا يجارى وفي الفنون الأدبية مناظرا لا يمارى، ذا باع طويل وافي في العروض والقوافي، وتقرير في الفقه شافي معروف به كل خافي، ومنظوم سلسل رقيق أزرى برقة الرحيق، ومنثور ما ضاع نشره العبيق إلا وشق ثوبه الشقيق، ويا طالما نهج المنهج القويم لتحصيل غاية المأمول، وصدق في مقاله المحرر الذي حصلت للقلوب منه بهجة وقبول، وكشف عن وجه المعاني النقاب حتى كأنها شمس ذات إسفار، وقطع بعقله مادة الارتياب عما هو مطوي في بطون الأسفار، وعني بجبر قلوب الطلاب، فلا كسر ولا قص، وعري عما يرمي به أو يعاب، فلا قدح فيه ولا نقص وما برح منعوتا بمحاسن جمال الأفعال، مغنيا لكل لبيب من صلة فوائده في كل حال، منصفا في مقام البحث، مقابلا لخفي الأسرار العلمية بالنث والبث، لطيف المحاضرة، مرضي المذاكرة، حسن المعاشرة، يذكر كل

شعر ونادرة، له أو لغيره، ممن سار مثيل سيره. ولم يكن ليدون أشعاره، إذ لم يكن قرض القريض شعاره، إنما كان يلم به أحيانا ولا يضيع فيه أزمانا. ومنه قوله:

تمر الليالي والحوادث تنقضي ... كأضغاث أحلام ونحن رقود

وأعجب من ذا أنها كل ساعة ... تجد بنا سيرا ونحن قعود

وقوله:

إذا ما رمت تحقيقا لعلم ... فلذ بالمنطق العدل القويم

ولا تدخل إليه بغير نحو ... فإن النحو مفتاح العلوم

وقال ملغزا:

يا إماما في النحو شرقا وغربا ... من له بان سره المكنون

أي ما اسم قد جاء ممنوع صرف ... وأتى الجر فيه والتنوين

فقلت مجيبا:

لي جواب عما سئلت متين ... جيّد قد تضمنته المتون

علم كان للمؤنث جمعا ... سالما جمع ذين فيه يكون

وقال محاجيا في عين تاب:

يا صاح ما اسم بلدة ... كم قد حوت بدرا طلع

قريبة من حلب ... رادفها طرف رجع

وقال يمدح «البهجة الوردية» :

لقد أحسن الورديّ بالبهجة التي ... تنظم فيها الفقه كالدر في العقد

لها أصبح المنثور يومي بإصبع ... حنانيك كل الحسن من بهجة الوردي

وقال مضمنا فيما أنشدنيه عند الشمس السفيري في تفضيل النسوان على الغلمان:

لئن فتن المرد الملاح أولي النهى ... وأودت عيون منهم وحواجب

فحب النساء الخرّد البيض مذهبي ... وللناس فيما يعشقون مذاهب

وقال مخاطبا صاحبا له يدعى عبد العزيز وله ولد اسمه عمر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت