وذكره شيخنا جار الله بن فهد المكي في تاريخه فقال: انتهت إليه رياسة البلاد الشامية والمملكة المصرية، وطلبه سلطانها الأشرف قانصوه الغوري من حلب وولاه كتابة السر بالقاهرة عوض القاضي صلاح الدين بن الجيعان في أول ولايته سنة ست وتسعمائة، واستمر فيها مدة ولايته بل إلى آخر دولة الجراكسة، فكان آخر من ولي كتابة السر. قال: ولما حج في عظمته عام عشرين وتسعماية قرأت عليه بمكة أربعين حديثا عن عشرين شيخا من مروياته عنهم أخرجتها له وسميتها «تحقيق الرجا لعلو المقر المحبي ابن آجا» فأعجبه ذلك واغتبط به وأنعم علي بلبس من ملبوسه وقال لي عند الفراغ من القراءة: لا فض الله فاك وبارك فيك كما بورك في أبيك، قال: وبعد فراغه من المناسك عاد إلى القاهرة وصحبه
صاحب مكة أبو زهر بركات بن محمد الحسني ليبلغه من السلطان المقام العلي وعليه أبهة وشكالة حسنة وشيبة نيرة، لكنه ضعيف الجسد مع كثرة الأسقام وملازمة وجع المفاصل له مدة من الأعوام، حتى لم يطف بالكعبة الشريفة إلا مرتين أو ثلاثا مع الجلوس في بعض الأشواط، إلى أن ذكر أنه بعد دخوله القاهرة توجع مدة فركب إليه السلطان وزاره لتعظيمه ومحبته له.
قال: وتردد إلى منزله العلماء والأمراء والأكابر.
ثم تعرض لذكر سفره مع السلطان سنة اثنتين وعشرين وتسعماية إلى بلدته حلب وصحة بدنه بها لألفه هواها وإقامته بها إلى أن قتل الغوري وهرب عسكره إلى القاهرة، فتبعهم إليها فولاه الأشرف طومان باي ابن أخي الغوري المتولي للسلطنة بعده كتابة السر بها.
وتعرض لذكر إكرام السلطان سليم له لما دخل القاهرة، وأنه عرض عليه وظيفته فاستعفى عنها واعتذر بكبر سنه وضعف بدنه، وأنه أراد الاستعفاء في تلك الدولة فخشي على نفسه فعفا عنه وأسكن عنده برضاه زيرك زاده قاضي عسكر روم إيلي فانتفع به وصار مسموع الكلمة عند السلطان سليم ووزرائه حتى سأله في الإقامة بحلب فأجابه، ولما عاد من القاهرة عاد معه وقر في منزله إلى أن توفي في رجب سنة خمس وعشرين وتسعماية.
وقد بلغني أنه كان السبب في أن ولي قضاء الحنفية بحلب هو أنه أقام بينة شهدت على الكمال بن المعري كاتب سر حلب وناظر جيشها وهو معزول عن كلتا وظيفتيه أنه علّق الطلقات الثلاث من زوجته الست حلب الآتي ذكرها بصفة وهو يلعب بالشطرنج مغلوبا أو نحو ذلك، وأن الصفة وجدت، فحكم الحاكم الشرعي بطلاقها ثلاثا، ثم إنه تزوجها ودخل بها فشكا عليه الكمال بالأبواب الشريفة فطلب فبذل للسلطة خفية عشرة آلاف دينار على تنفيذ حجة الطلاق وإعطاء قضاء حلب ليحظى فيها بحلب، فكان الأمر كما طلب.
ثم لما ولي كتابة السر بالقاهرة بقي قضاء حلب في يده مضافا إليها يباشر فيها نوابه ويرفعون إليه محصوله وهو بالقاهرة إلى أن عزل نفسه عنه ورسخ في كتابة السر بالقاهرة وعمر بها مدرسة وتربة. ثم كان من انقراض الدولة الجركسية وعوده مع المقام الشريف السليمي إلى حلب، فاختار مقام العزلة ومكث بالبيت النفيس المشهور ببيت أزدمر كافل
حلب ملكا إلى أن توفي بعد أن أوصى بماله وعليه وبقدر ما يصرف في تجهيزه وإلى عتقائه من بيض وسود سوى من كان أعتقهم بعد عوده من الحجة الثانية من نحو ستين رقيقا وإلى جواري زوجته، وبأن يوضع على قبره عشرة مصاحف ثم يطلب عشرة من القراء المحسنين للقراءة فيقرؤون فيها كل ليلة ليتم ختمة واحدة، وهكذا إلى تمام عشر ليال يتمها عشر ختمات، على أن يكون لكل شخص عن كل ليلة خمسون درهما، وأشهد عليه أنه كان قد جعل حصة بمعرة أحوان من قرى حلب وقفا على مصارف كان شرط أن تصرف بتربته التي أنشأها بجوار الإمام الشافعي رضي الله عنه بالقاهرة وأنه رجع عن وقفها على تلك المصارف بها إلى وقفها على تربته بحلب بمقتضى أنه شرط في كتاب وقفه الأول أنه له أن يزيد ما شاء وينقص ما شاء ويمنع من شاء ويخرج من شاء ويغير ما شاء، وأنه جعل النظر لابن أخته قاضي القضاة جمال الدين يوسف الحنفي ثم الأرشد فالأرشد من ذريته ونسله وعقبه وحكم بذلك الحاكم الشرعي.