بدر الكمال له في ... منازل السعد مسرى
وقد سما في ارتفاع ... سما المحاسن قدرا
فقلت والقد منه ... يهتز ميلا وكسرا
يا مالكا مصر قلبي ... طولا وعرضا وقطرا
قد صرت حاسب وقتي ... في الحب جبرا وجذرا
أدعى لساعات وصل ... لديك صبحا وعصرا
فقال سمتي بعيد ... أليس لي ملك مصرا
ومنهم صالح العصر والأوان، سلطان الفضل وابن سلطان، فاضل حرفته ملازمة العلماء الكرام، وصنعته مجالسة الصلحاء العظام، ودأبه نشر العلم والتقرير، وهمته ضبط
الصواب والتحرير، نبل في الفقه النفيس، على سنن إمامنا الاعظم ابن إدريس، واخذ من العربية حظا وافرا، ومن علم الخليل كاملا ووافرا، يقدم كتابه على كل جليس، ويأنس به حيث لا أنيس، لا يبخل بالإفادة، ولا يستنكف عن الاستفادة، ولا يرغب عن قليل من العلم، بل يذهب في كثير من الحلم، خلقه رضيّ باهي، وخلقه وضيء زاهي، وورعه شديد بلامين، ودينه سديد بلامين، اشتغاله بالتلاوة حين الفراغ من الطلب، وبالتهجد إذا الغاسق قد وقب، ينشد لسان حاله، حين ذكر الشعر وأوحاله:
تركت الشعر واستبدلت منه ... إذا داعي صلاة الصبح قاما
كتاب الله ليس له شريك ... وودعت المدامة والندامى
وإذا ارتجل منطيق وتقدم، يقول: إذا كان مدح فالنسيب المقدم [1] . ولما افتتن بغرر أهل الشام، عارضهم بلسان الوجد والغرام، سالكا مسلك من قبله، فلله ما أغزر طله وبله:
يا من تسامى دلالا ... ومن تحالى ومرا
ومن بدا شمس دجن ... ضاء الحوالك دهرا
ومن تثنى قواما ... للغصن حاكى وأزرى
أنت الحبيب المفدى ... فاسمع نصوحا مبرا
قم في الدجى وتضرع ... لله سرا وجهرا
واندب ذنوبا توالت ... ونب وتب واستمرا
واخضع لربك ذلا ... واطرح فخارا وكبرا
وانظر لمن قد تعامى ... من قوم عاد وكسرى
وقول فرعون دعه ... أليس لي ملك مصرا
ومنهم السيد عبد القادر أفندي حسبي زاده، فقيه نظار، وأديب مكثار، وماهر لوذعي، ومحاضر ألمعي، ونحوي مستقيم اللسان، وصرفي بطرق التمرين ملسان، إذا زين به جيد سيبويه، فما شب عمرو عن الطوق، وإذا قيس به خالويه، كان مقامه فوق الفوق، فألفاظه صوادح البلابل، ومعانيه نفثات بابل، وذاته كاملة الظرف، إلا أنه أفعم
(1) هو صدر بيت للمتنبي، وعجزه: أكل فصيح قال شعرا متيم.