أفيقوا بني الدنيا فقد وعظ الدهر ... فليس لكم من بعد إنذاره عذر
ألم تسمعوا من حاز شرقا ومغربا ... وضاقت به الآفاق قد ضمه القبر
فأين الملوك الصيد من خضعت لهم ... رقاب الورى ثم أطاعهم القصر
وأين الأولى سادوا وبالعلم قد غدوا ... فلاسفة من لفظهم خجل الدرّ
فماتوا وما أضحى لنا من تراثهم ... سوى سكة يبقى لهم ضمنها ذكر
فواحيرتي كيف المعادن لم تزل ... ونفنى فذا أمر يضيق به الصدر
ولكن مراد الله جلت صفاته ... فليس لنا إلا الرضى وله الأمر
ألا رحم الله امرءا سار صالحا ... وقدم خيرا قبل أن ينقضي الأمر
وعاش الطرابلسي في مصر إلى أواسط القرن الحالي، لكننا لم نقف على تاريخ وفاته.
وله قصائد كثيرة اغتالت أغلبها أيدي الضياع، وأكثر ما أوردناه من شعره قد جمع شتاته بعض أدباء حلب. وله مخمّسا:
فؤاد لأغراض الحبيب تصدعا ... وقلب لترحال الطبيب توجعا
فيا من حفظت العهد فيه وضيّعا ... متى نلتقي حتى أقول وتسعما
لقد كاد حبل الود أن يتقطعا
جعلت هوى الأحباب دابي وديدني ... وقلبي من فرط المحبة قد فني
ذهبت غراما من هواهم وليتني ... فأذكر أيام الحمى ثم أنثني
على كبدي من خشية يتصدعا [1]
لحا الله من حب محب ووالع ... صبور على الأحباب ليس بطامع
فيا قلبي المحزون مت موت طائع ... فليست عشيات الحمى برواجع
إليك ولكن خل عينيك تدمعا
وأورد له ثمة غير ذلك من الشعر وفيما ذكرناه كفاية.
وترجمه الشاعر الأديب قسطاكي بك الحمصي في كتابه (أدباء حلب) فقال ما خلاصته: أنه سار عن حلب عقيب نكبة أصابته كاد يهلك بسببها، ثم اكتفى الحاكم بسجنه وتغريمه ضريبة فقد بها كل ما ملك حتى عجز عن أداء باقيها، فرفده جد هذا العاجز لأمه عبد الله الدلّال أحد صدور حلب بمال وفى به ما عليه وستر خلته، ولما تخلص من السجن فارق حلب سنة 1828وورد مصر واتصل بحبيب البحري، وكان هذا رئيس ديوان الكتاب في حكومة محمد علي باشا، فحسنت حاله وأصبح من المقدمين عنده، ثم اتهم في إخلاصه وحسن طويته فنكب ثانية ولازم بيته إلى آخر حياته، فمات مهملا كئيبا.
وله شعر كثير غير مجموع ولا مهذب، وفيه الغث والسمين. قال في مطلع قصيدة يمدح
(1) صواب الشطر: على كبدي من خشية أن تصدّعا. والبيت للصمة القشيري.