فهرس الكتاب

الصفحة 2314 من 2877

فتوجه الحاج وفا إلى طرابلس، ولما وصلها وسئل عنه قيل له إنه قد سبقك إلى حلب منذ أيام قلائل، فسر لذلك وتوجه إلى وطنه حلب، ولما وصلها اجتمع بحضرة الأستاذ الشيخ محمد المغربي وعرّفه غرضه وطلب منه أن يكلف الشيخ حسين بنشر ما لديه من العلم، فامتثل المترجم الأمر واختار له الحاج وفا مسجدا قريبا من سوق القصيلة وهو مسجد أشقتمر المعروف الآن بجامع السكاكيني، فصار يقرىء الطلبة فيه، وشاع عند ذلك فضله وأقبل عليه الطلبة من جميع أنحاء البلدة، وكان الناس في ذلك الوقت في شوق زائد إلى طلب العلم بسبب القرعة العسكرية ومسامحة الدولة طلبة العلوم من التجنيد، وهي أول قرعة كانت في أيام الدولة العثمانية في مدينة حلب وبلاد العرب، وقد كثر اجتماع الطلبة لهذا السبب، ولما كان عليه من الجد والنشاط وفصاحة اللسان وغزارة المادة وقوة التعبير عن مراده، وبلغ عدد الدروس التي كان يقرؤها في هذا المسجد كل يوم تسعة دروس في فنون مختلفة.

وكان رحمه الله غيورا على الطلبة حريصا على استفادتهم، يتمنى أن لو كان العلم لقمة سائغة يضعها في فم الطالب في جلسة واحدة.

ولما رأى السيد محمد راجي ابن السيد علي بيازيد أحد كبراء تجار حلب ومن مشاهير أعيانها وأجوادها أن تمام الانتفاع من فضائل الأستاذ إنما يتحقق بواسطة مدرسة يقيم فيها الطلاب وينقطعون فيها للطلب بنى في مسجد أشقتمر المعروف الآن بجامع السكاكيني في محلة القصيلة ست حجرات في مصيف كان هناك في الجهة الشمالية، وجعل أكبرها لإقامة حضرة الأستاذ والباقين للطلبة. وكان الحاج محمد راجي المذكور يقدم للطلبة المجاورين طعام الغداء والعشاء، ويعطي لكل واحد منهم ثلاثين قرشا مشاهرة وكسوة في الصيف وكسوة في الشتاء، ويصطنع لهم الولائم في المواسم وفي كل ليلة من شهر رمضان، ويدر عليهم إحساناته، ويقدم لحضرة الأستاذ رحمه الله كفايته من المؤونة والأقمشة والنقود، وانهالت عليه الهدايا والوظائف انهيال السيل في الليل، فكان يصرفها في سبيل بر تلامذته.

ولم يزل على هذه الحالة إلى أن توفي يوم الاثنين في الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة 1271، ودفن في مقبرة الشيخ جاكير بجانب قبة الفتياني، وشيع جنازته ألوف من الناس، وتخرج على يده في برهة ست سنوات كثير من العلماء والفضلاء، منهم الشيخ أحمد الكواكبي والشيخ أحمد الزويتيني والشيخ طاهر الطيار الكيالي وأخوه الشيخ عبد الرؤوف والشيخ محمد الخياط والشيخ علي ناصر وغيرهم.

وألف رحمه الله عدة مؤلفات، منها رسالة في المجاز، ومنظومة من بحر الرجز ذكر فيها فضائل رمضان وسماها «منحة الرحمن في فضائل رمضان» وسمى شرحها «عطايا المنان» ومطلعها:

يقول راجي عفو ذي الجلال ... حسين الغزي نجل البالي

حمدا لمن فضّل شهر الصوم ... على الشهور عند كل القوم

ومنها بعض كراريس في شرح سلم المنطق، ورسالة مختصرة في التوحيد (وهي موجودة في مكتبة محمود أفندي الجزار التي كانت موضوعة في الجامع الكبير) ، ورسالة في إعراب لا سيما وإعراب لا أبا لزيد، ومسائل متفرقة من مشكلات علم النحو

والصرف، وهي دالة على فرط ذكائه وقوة التحقيق والتدقيق وسعة الاطلاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت