وذكر جميل أفندي الجابري حكاية لطيفة كثيرا ما سمعناها من الأفواه، وهي أنه أقام الشيخ محمد أفندي الطيار الكيالي حفلة ختان دعا إليها الكثير من الفضلاء والوجهاء والمشهورين من المطربين في ذلك العصر مثل مصطفى البشنك وابن عبدو، فبينما هم يعزفون ويغنون دخل عليهم الحاج عبد الكريم البلّه الشاعر صاحب النكت الغريبة، فاستقبله المنشدون بإنشاد كلام مستهجن، ولما استوفوا حظهم منه وفرغ ما عندهم قال لمن حضر:
إن هؤلاء الجماعة يمدحون الأغنياء للجائزة، والمشايخ للتبرك والدعاء، ومثلي ليمدحهم، فوجب عليّ مدحهم، وأنشد ارتجالا:
ورب شداة كالحمير نواهق ... بمختلف الأصوات من غير ضابط
مزاهرهم دلت على نغماتهم ... كما دلت الأرياح عن إست ضارط
وكان في الحاضرين الوجيه الفاضل الشيخ عبد الحميد أفندي الجابري، فنظم بيتين في الحال وأعطاهما عبد الكريم وهما:
أرح عبد الكريم كرام قوم ... من التعريض في نظم القريض
وبدل هجوهم كرما بمدح ... فهم مداح ذي الجاه العريض
فاعتذر عند ذلك الحاج عبد الكريم وأرسل للشيخ عبد الحميد أفندي بهذه الأبيات:
أيا مولى رقي رتب المعالي ... على القمرين فضلا بالوميض
تقبل عذر عبد قد رمته ... بنو الآمال بالسهم الحضيض
فلو وقفوا على مدح التهامي ... لكان المدح فيهم من فروضي
ولكن أسرفوا في صفع قحفي ... وزفوني بفائضة المريض
فأمطرهم سحابي مزن سلح ... وحيتهم رياحي من محيض
فلا عتبا عليّ هجاء قوم ... يقيسون الذبابة بالبعوض
وعبد الكريم بلّه كان رجلا ظريفا من العوام، صاحب ملح ونوادر، مشهورا بذلك يتناقل ملحه الطاعنون في السن إلى الآن، وكان ذا ذكاء وفطنة، وعني بقرض الشعر وصار عنده ملكة منه، غير أن غالب شعره في الخلاعة والمجون، فلم أستحسن إثبات شيء منه، وبلغني أن له ديوانا لكني لم أعثر عليه بعد، وكذلك لم أتمكن من الوقوف على تاريخ وفاته غير أنها كانت أواخر هذا القرن.
وترجمه الأديب قسطاكي بك الحمصي في «أدباء حلب» وأشار إلى هذه النادرة، لكنه لم يقف منها إلا على البيتين الأوليين، وتتمة النادرة هي ما ذكرناه.
ووجدت له في بعض المجاميع تشطيرا لبيتين وهما:
عرضنا أنفسا عزت علينا ... لها في ذروة العليا مكان
هي الشمس المنيرة حين مرت ... عليكم فاستخف بها الهوان
ولو أنّا رفعناها لعزت ... ولكن التواضع لا يشان
وما كسفت ببرج النحس شمس ... ولكن كل معروض مهان