إن الأعصاب قسمان: الأول ينبت من الدماغ، والثاني من النخاع، وصار الحال كذلك لأن الأعضاء على نوعين: منها ما هي بعيدة عن الدماغ، ومنها ما هي قريبة منه، وكل منها إما باطن أو ظاهر، فما كان قريبا أو باطنا فالأعصاب الدماغية منبثة فيه، وما كان بعيدا أو ظاهرا فالأعصاب النخاعية منبثة فيه. واعلم أن الدماغ مقسوم في طوله بنصفين وفي عرضه بثلاثة أقسام تسمى بطونا، والمقدم منها ألين من الأوسط، وهو ألين من المؤخر، ويتصغر متدرجا إلى النخاع، وينبت من المقدم مما يلي الجبهة زائدتان من كل نصف زائدة شبيهتان بحملتي الثدي بهما يكون الإحساس بالروايح، وفي وسط الدماغ فيما بين المؤخر والمقدم منفذ يسمى (الدروة) جوهرة قريب الغشاء. واعلم أن الأعصاب الدماغية ثمانية أزواج (في كتب الطب الحديثة هي اثنا عشر) الأول ينبت من نصفي الدماغ عند جوار الزائدتين الشبيهتين بحلمتي الثدي، فيكون في كل نصف فرد، ثم يتيامن النابت منها يسارا ويتياسر النابت منهما يمينا، ثم يلتقيان على تقاطع صلبيين، ثم ينفذ النابت يمينا
إلى الحدقة اليسرى والنابت يسارا إلى الحدقة اليمنى. وهذان الفردان فيهما قوة الباصرة سارية في تجويفهما وتغشاهما الأم الجافية والرقيقة، فإذا برزت العصبة في نقرة العين فارقتها الأم الجافية وتشظت إلى شظايا دقيقة وانتسج البعض بالبعض وصار منها طبقة تسمى الطبقة المشيمية، ثم نفس العصبية يحصل منها ما حصل من تينك ويصير منها طبقة تسمى الشبكية إلخ.
ثانيا: اختصاص كل نابغة في فروع من العلوم وتبحره فيه، وهذا يدل على درجة الرقي العلمي الذي وصلت إليه العرب في أيام تمدنهم ويكشف عن سعة استعدادهم الذهني.
ثالثا: سيرهم الفني في تتبعاتهم واستقرائهم، فلقد عللوا كل حادثة بعلة علمية، وسعوا لتخليص الحقائق من قيود الأوهام.
قال الشارح المرحوم الشيخ محمد الطيار الكيالي نقلا عن الرئيس ابن سينا: «لا ينبغي أن يوثق بطريق الاستدلال من أحوال البول إلا بعد مراعاة شرائط، فيجب أن يكون أول بول أصبح عليه ولم يرافع به إلى زمن طويل ويبيت من الليل عليه ولم يكن صاحبه شرب ماء ولا أكل طعاما، ولم يكن تناول صابغا من مأكول أو مشروب كالزعفران والخيار شنبر، فإنهما يصبغان إلى الصفرة والحمرة، وكالبقول فإنها تصبغ إلى الخضرة، والمري فإنه يصبغ إلى السواد، والشراب المسكر يغير البول إلى لونه، ولا لاقت بشرته صابغا كالحناء، فإن المختضب بها ربما انصبغ بوله عنه ولا يكون تناول ما يدر خلطا ولم يكن تعاطى من الحركات والأعمال والأحوال الخارجية عن المجرى الطبيعي ما يعين الماء لونا مثل الصوم والسهر والتعب والجوع والغضب، فإن هذه كلها تصبغ الماء إلى الصفرة والحمرة، والجماع فإنه يدسم البول تدسيما شديدا، ومثله القيء والاستفراغ فإنهما يبدلان الواجب عن لون الماء وقوامه، وكذلك إتيان ساعات عليه، ولذلك قيل يجب أن لا ينظر في البول بعد ست ساعات لأن دلائله تضعف ولونه يتغير وثقله يذوب ويتغير أو يكشف إلخ» . مما يدل على أن الأوائل لم يقصروا في تدقيق الحوادث وكشف الحقائق وأن الفكر الفني كان نبراسهم مع ضعف وسائلهم التي نجدها اليوم في معاملنا ومصانعنا.
ولقد كان الطبيب في زمنهم نافذ النظر يستند على ذكائه وبصيرته وتجاربه أكثر مما هو عليه الطبيب في زمننا الحاضر، ولهذا أقدر الطبيب الأستاذ سعيه ومقدرته العلمية
في شرح الأرجوزة وكشف غوامضها وتبيانه للحقائق ووصفها كما هي، وأتمنى أن يكون لنا أمثاله نبغاء في زماننا الذي قضى علينا بإهمال مخلدات آبائنا وفيها من الكنوز ما لا يستهان به.