أبكيت عين الأنس إذ فارقتها ... فتبسمت للقاك عين العين
قالوا وقد ساروا بنعشك من به ... وبهيّ نورك فيه غبر مكين
هذا بهاء الدين فيه أجبتهم ... مهلا فقد سرتم بعز الدين
مات الحجا والمجد يوم مماته ... من بعد موت العز والتمكين
هذا الوفائي ابن الوفا وأبو الوفا ... هذا محط الجود والتأمين
هذا بقية آل بيت المصطفى ... يسري به التابوت بعد الحين
هذا مخيّب كل باغ باسل ... هذا مشجّع مهجة المسكين
هذا مفيض الجود إن بخل الحيا ... هذا مكيد الفاجر المغبون
هذا منار الشرع والطرق التي ... جليت بها بمطارف التحسين
هذا المؤكد عندنا بوجوده ... زهد الرشيد وعفة المأمون
ساروا به للصالحين فبادروا ... للقائه بالذكر والتأذين
وعيون أهل الفضل عند فراقه ... تحكي بأدمعها سحاب الجون
شقوا به سوق الزحام كأنه ... بدر يسير بأحسن التكوين
وارحمة لحرائر قد صانها ... في حجره بالأمن والتحصين
تبكي عليه والصخور تجاوبت ... من حولها بتأوه وأنين
ومن الحجارة ما بكى لفراق من ... أبكى من الشهباء أهل الصين
هلا شجى منه الحمام وإنه ... لهو الحميم لأهل هذا الحين
خانت لسيدها الليالي فانثنت ... سودا وهذا دأب كل خؤون
حانت منيته فلو قبل الفدا ... جئنا لفديته بلا تعيين
لمن المحاريب الشريفة بعده ... بقيت تئن بلوعة وشجون
لمن المنابر كالعرائس تنجلي ... بالوشي بعد خطيبها الميمون
آلت لنا الأقلام بعد يمينه ... أن لا تجر مدادها بيمين
وعلى حمى الآداب والإنشا إذا ... أزكى سلام مودع ميمون
لا يشمت الحساد فيه فإنهم ... من بعده ذاقوا عذاب الهون
وليصبر الأحباب عنه إنه ... لم يلف أول نازح وظعين
فلكم دعت تلك المنية سيدا ... فأجابها بالطوع والتأمين
أخنت بنوح وابنه سام ولم ... ترع الخليل لخلة وشؤون
ورمت بذي القرنين أسهمها فلم ... ينفعه ملك الأرض والترصين
وبنو جذيمة بعدما جزموا بأن ... لا يشربوا في الدهر كأس منون
تركوا الخورنق والسدير وغادروا ... ملك الكبير سدى بغير أمين
والبهرميون الذين تبؤوا ... سبأ بظل جنائن وعيون
يبكيهم الإيوان وهو مشيّد ... واه لبيتهم بغير قطين
وبنو ربيعة بعد عز شامخ ... ومكارم وعزائم وظعون
أودى مهلهلهم وحل بعمرهم ... داعي المنية طالبا بديون
وأناخ عبسا بعد بدر صارخ ... حج الحجاز وطاف حول حجون
ونزار أنذرهم وحل بربعهم ... فأباح وجه الأرض كل جبين
فإذا المنية ألحقت بمحمد ... من ذا لطول بقائه بضمين
فلنا بأحمد أسوة محبوبة ... ولنا العزاء بفضله المسنون
لا زال صوب العفو يسقي تربة ... قد حل أشرفها بهاء الدين
وأباحه النظر الكريم لوجهه ... رب العباد بحلة التزيين
وهناك تغبطه الجنان وأهلها ... ونود رؤية وجهه بعيون
في المشهد الأعلى يظل مراقبا ... وجه الكريم إذا ليوم الدين