فهرس الكتاب

الصفحة 2367 من 2877

ولد تقريبا سنة 1240، ولما ترعرع حبب إليه طلب العلم، فقرأ على فضلاء عصره في مقدمات العلوم، وجاور في المدرسة الشعبانية، ثم انتقل منها إلى المدرسة العثمانية، وأكثر من الحضور على الشيخ أحمد الترمانيني ولازمه سنين عديدة، فتخلق بأخلاقه من الورع والتقوى وملازمة العزلة والانقطاع إلى التعبد مع الزهد في الدنيا بحيث أعرض عما كان له من الثروة من غنم كثير كان له وزراعة ورث ذلك من أبيه فلم يلتفت إليه، بل سلم الجميع لأخيه وقنع منه باليسير، وأخذ في مجاهدة النفس وقمعها بتقليل الطعام والإعراض عن ملاذه. وقد حدثني غير واحد عدة حكايات في مجاهدته لنفسه ومخالفته لها. منها أن نفسه اشتهت باذنجانا محشيا، ولما أحضر إليه رفعه فوق الرف أياما إلى أن اشتغل فيه الدود، ثم أنزله ووضعه أمامه وصار يخاطب نفسه: كلي أيتها الخبيثة، أما اشتهيت على الباذنجان المحشي. وكان يلبس خشن الثياب ويتزر بالبلاس الذي يغلف به التنباك، وكان لا يرى إلا ساكتا أو ذاكرا أو مذاكرا في علم، لا تعرف الغيبة أو النميمة في مجلسه. وبالجملة فقد كانت حالته تمثل السلف الصالح، يتوسم فيه ذلك كل من رآه، لا تكلف في ذلك

ولا تصنع، بل كان بعيدا عن ذلك كل البعد.

ولم يزل على هذه الحالة إلى أن توفي سنة 1290ودفن في تربة لالا المعروفة بتربة البلاط الفوقاني، وإلى الآن يثني عارفوه عليه ويلهجون بحسن سيرته وما كان عليه من التقشف والعبادة والعلم، رحمه الله تعالى.

وله شعر قليل في المواعظ وعلى لسان القوم لكنه ليس بشيء ولم أجد منه ما يصلح للتدوين.

وله شرح على الأجرومية في النحو غريب في بابه، فإنه يأتي بأمثلة فيها مواعظ وحكم نحو قوله بعد عن من حروف الجر: مثالها: (بعد انتهاء آجالنا نسأل عن أعمالنا) ، وبعد على: (إذا انقضت الآجال نقدم على ما قدمنا من الأعمال) ، وبعد في: (حضور القلب في العبادة من علامات السعادة) . ثم يأخذ في الكلام في هذه الأبحاث، والشرح جميعه على هذا النسق، وعندي منه نسخة بقلم الشيخ وفا الطيبي منقولة عن نسخة استنسخت عن خط المؤلف وهي في 234صحيفة.

وأخو المترجم اسمه الحاج محمود، وقد كان رجلا صالحا متمولا طلق اليد كثير البر والإحسان لذوي رحمه وللفقراء والمساكين، وكان خير مساعد لأخيه، فإن الشيخ إسماعيل لما انقطع عن الدنيا وزهد فيها وأقبل على العبادة أنفق الكثير مما لديه من الثروة واستلم أخوه بقيتها، فكان ما يحصل منها من الربح في التجارة لا يفي بنفقة زوجة أخيه الشيخ إسماعيل وأولاده، فكان يتمم نفقاتهم من ماله طيب الخاطر منشرح الصدر. وكان يمد يد المعونة لمن قعدت به الأيام ورمته بالنكبات بعد أن كان من ذوي النعمة واليسار. وكان من انقطع من الغرباء أو الحجاج عن الوصول إلى بلده يحمله إليها، إلى غير ذلك من وجوه الإحسان.

ومن آثاره الباقية أنه كان أوعز لإحدى قريباته المثريات أن تنشىء بركة كبيرة في جامع البلاط، فقامت بالعمل، ثم إنه بلط صحن الجامع من ماله.

وكانت ولادته سنة 1268، وذهب إلى ربه راضيا مرضيا سنة 1320، وخلف عدة أولاد يتعاطون إلى الآن التجارة والزراعة.

(عودا إلى الترجمة) : ولما أتى الشيخ علي اليشرطي الشاذلي المغربي إلى الديار السورية وذلك سنة 1266وشاع أمره في هذه البلاد وانتشرت طريقته فيها كان المترجم من جملة من رحل إليه إلى عكا، ورافقه في الرحلة إليه الشيخ محمد الشعار الريحاوي من علماء ريحا، وأخذ عنه الطريقة الشاذلية اليشرطية، وعاد إلى حلب متزودا بمزيد الاعتقاد في الشيخ سالكا طريقته الحسنة واستقامته المستحسنة، وصار يقيم الذكر في جامع الزينبية في محلة الفرافرة وصارت الناس تبايعه. وأخذ عنه هذه الطريقة عدة من وجوه الشهباء. ولم يزل ناهجا ذلك المنهج من التمسك بالشرع وآدابه والوقوف عند حدوده ورسومه لا يحيد عنه قيد شبر حتى اخترمته المنية في التاريخ المتقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت