صدّقوني كل الأنام سواء ... من ملوك إلى رعاة البهائم
كل نفس لها سرور وحزن ... لاتني في ولائم أو مآتم
كم أمير في دسته بات يشقى ... باله والأسير في القيد ناعم
أصغر الخلق مثل أكبرها جر ... ما لهذا وذا مزايا تلائم
هذه النمل تستطيع الذي تعجز ... عن فعله الأسود الضياغم
والخلايا للنحل أعجب صنعا ... من قصور الملوك ذات الدعائم
وكل من أنعم النظر في تصانيفه خيل له أنه لم يكن في كل الأحوال راضيا عن الزمان وأهله، وأنه كان كثير التبرم بالناس والأشياء كافة، وأن كلامه في كثير من المواطن يشف عن الشكوى من الدنيا وأهلها. وهذا لا يستغرب من رجل رماه الدهر بالأرزاء حتى أصبح كئيبا كاسف البال، وقد حداه ذلك إلى أن قال:
توتّر أقواس الردى لرمايتي ... ومن أعين الحساد تبرى سهامها
يجر عليّ الدهر جيش خطوبه ... فتلقاه نفس يستحيل انهزامها
ومن خبر الدنيا وأدرك سرها ... تساوى لديه حربها وسلامها
ومن هذا القبيل ما أورده في غابة الحق:
إذا كان وقع السيف ليس يمضّني ... فعندي سواء غمده وغراره
وإن كان جمر الخطب ليس يصيبني ... فلا خوف لي مهما يهب شراره
أنا لا أرى في الأرض شيئا يروقني ... لذلك نور العمر عندي ناره
أيطربني هذا الزمان وكله ... عراك على الدنيا يثور غباره
هذا ما يلمح من خلال نظمه ونثره، إلا أنه كان في معاشرة الناس ومخالطتهم متوددا أنيسا تأبى نفسه أن يصيب الناس أذى مما ابتلاه الله به من الأشجان، وكان إذا عن له خاطر أملاه على كاتب أو صديق. توفاه الله وهو في شرخ الشباب.
ومن نظمه قوله من قصيدة:
أنا على ما أنا من الخلق ... باق على مذهبي وفي طرقي
مالي عدوّ سوى الكذوب فلم ... يزل عدوا لصاحب الصدق
لا أكذب الله إن لي شيما ... تحمي فمي من شوائب الملق
فلا كبير سطا عليّ ولا ... يد لها منة على عنقي
ولا تسابقت في المفاخر بل ... سرت الهوينا وفزت بالسبق
ولا اشتريت الثناء من أحد ... بالمال بل بالجهاد والأرق
أسقي غروسي فإن أجد ثمرا ... أقطف وإلا رضيت بالورق
وقال في وصف الجمال:
يا ربة الحسن جمالك لا ... يدوم إلا كدوام الخيال
فحسن وجه ذاهب كالهبا ... وحسن طبع راسخ كالجبال
فجمّلي الطبع وحلّي النهى ... لتقتني الحسن العديم المثال
هذا هو الحسن البسيط وما ... للجوهر البسيط قط انحلال
ومن هذا القبيل قوله: