فهرس الكتاب

الصفحة 2379 من 2877

أعمال حلب، وكأن الله تعالى أرسله لهداية أهل هذه القرية الذين كانت حالتهم أشبه بحالة الجاهلية من القتل والسلب المشروعين في اعتقادهم، فأقام الشيخ بينهم آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر متحملا منهم أنواع الأذى، وثابر على ذلك إلى أن أثمر نباته وتحققت أمنيته، فإن الضلال لم يلبث أن انعكس إلى هدى، وأضحى سكان الشغر قدوة حسنة لغيرهم.

وبعد حضوره أنشأ في قرية الشغر زاوية وأخذ في نشر العلوم الشرعية موجبا على نفسه قراءة ثلاثة دروس في كل يوم، فاشتهر علمه وفضله وصلاحه وتقواه بين الخاص والعام، وذاع صيته في الأقطار، وصارت تضرب إليه أكباد الأبل من كثير من البلاد، سيما بعد أن ظهرت على يده كرامات باهرة، وأصبحت زاويته محط الرحال للمستفتي والمستشفي والممتحن والمستجير والمجاور. وكان المستفتي لا يتكلف السؤال، بل كان يجلس في حلقة الدرس العام فيسمع جواب مسألته، وهكذا الممتحن والمستجير وغيرهم.

ويطول تعداد مناقبه وكراماته التي يحفظها الكثيرون من معاصريه.

ومن الذين قصدوه ممتحنين له عالم ريحا الشيخ محمد نوري أفندي مفتي إدلب سابقا، وكان بينهما موقف شهير اعترف فيه الشيخ محمد نوري بفضله والتسليم بكراماته الظاهرة للعيان ولا زال يذكرها إلى الآن، وكذا الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أفندي المحمودي اللاذقي حتى إنه أخذ عنه ومدحه بعد وفاته بقصيدة توسلية جاء فيها:

وبشيخنا القطب اليماني الذي ... في الشغر أضحى ثاويا مستوطنا

حتى توفاه الإله وقبره ... بجوار عز الدين يشرق بالسنا

أحيا بلاد الشرق في إرشاده ... وبنى المساجد في قراها واغتنى

وكان لا يقبل إنعاما من أحد إلا إذا أهدي إليه كتاب، ولا يمد يده لغير مشروع، زاهدا في هذه الدنيا، لم يتزوج ولم يملك من حطامها شيئا، ويكتفي بالقليل من الطعام.

وكان صومه أكثر من إفطاره، ولباسه ثوبا من الخام الذي يصنع بالقرية نفسها.

وحينما حضر إلى هذه البلاد كان عمره 23سنة وتوفي في الخامسة والأربعين من العمر (في التاريخ المتقدم) وأنشأ الزاوية المتقدمة وجامعا في الشغر بكسرية ومسجدا في قرية كفرنجي.

وكان من جملة عارفيه بعض الأفاضل من العائلة الرافعية في طرابلس. وكان ذهب للآستانة لتجديد وظيفة القضاء فعين في إحدى بلاد اليمن فقصد وداع الشيخ والتزود بكتبه فأخبر بوفاته. ولما دخل اليمن قاصدا مقر الوظيفة مر في طريقه على مراوعة وهناك اجتمع بالسيد عبد الباري الأهدلي شيخ السجادة الأهدلية فأخبره عن أحوال الشيخ ووفاته وأنه ترك زاوية ومكتبة ثمينة لا تقل عن خمسمائة مجلد، فكلف السيد عبد الباري ابن عم الشيخ وهو (باعزى حسن الأهدلي) أن يتوجه إلى الديار الشامية لاستلام هذه الكتب وزوده بتحارير، ولما وصل إلى قرية الشغر وجد المكتبة مبعثرة لم يبق منها إلا النزر اليسير، فقصد الرجوع من حيث أتى فمنعه مريدو الشيخ وتلامذته وكلفوه أن يقيم بين ظهرانيهم مكان الشيخ، وعندئذ ذهب إلى الآستانة للاستحصال على تخصيص راتب للزاوية، فمكث أشهرا ولم ينل مطلوبه فعاد إلى الشغر، ثم ذهب للآستانة ثانية فتوفق إلى ذلك وعين له السلطان عبد الحميد 300قرش في كل شهر للزاوية، فعاد وأقام في الشغر شيخا للسجادة الأهدلية، ثم تعين مفتيا لقضاء الجسر وبقي في هذا المنصب إلى أن توفي سنة 1332رومية وأعقب ولدين أكبرهما الشيخ محمد الأهدلي مفتي جسر الشغر سابقا ومفتي قضاء جرابلس في هذه السنة وهي سنة 1345.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت