فهرس الكتاب

الصفحة 2460 من 2877

محمود أفندي ابن الوجيه الفاضل أحمد آغا الشهير بالجزّار، وقد قدمنا في ترجمة والده

سبب اشتهار هذه العائلة بذلك، وكانت تعرف ببني السيّاف.

ولد رحمه الله سنة ألف ومائتين وإحدى وخمسين، ولما بلغ سن التمييز شرع في القراءة والكتابة، ثم تلقى مبادىء العلوم على علماء عصره، منهم شيخ محلته الشيخ عمر الطرابيشي ومدرس المدرسة الأسدية الشيخ عبد المعطي النحيف. ثم شرع في تلقي العلوم الروحانية والفلكية على والده الذي كانت له اليد الطولى في هذه العلوم والشهرة الواسعة كما ألمعنا إلى ذلك في ترجمته. ثم إنه بعد وفاة والده أكب على المطالعة فيها وفي تلك الكتب التي آلت إليه من والده، إلا أنه لم يصل إلى الدرجة التي كان عليها والده ولم تحصل له تلك الشهرة.

ومن مناقبه في هذا الشأن ما حدثني به الشيخ عبد الله المعطي أنه كان له أخ يقرأ هو والمترجم بعض العلوم الفقهية على والده الشيخ عبد المعطي، فأراد المترجم أن يعلّم أخا الشيخ عبد الله شيئا من هذه العلوم، وباشر في ذلك، فلم تمض مدة وجيزة إلا واعتراه الجنون، وبقي على ذلك إلى أن توفي. وكان جالسا مرة مع الشيخ عبد الله، فأخذ ورقة وكتب فيها حروفا لا تفهم ودق الورقة بمسمار، فصارت الورقة تدور، فأمسكها الشيخ عبد الله بيده وقال له: ناشدتك الله أن تكف عن ذلك، فإني أخاف على نفسي وأخشى أن يصيبني ما أصاب أخي، فأمسك عندئذ. والشيخ عبد الله لا زال إلى هذه السنة وهي سنة 1345في عداد الأحياء.

وتولى المترجم صندوق المالية في ولاية حلب في أيام واليها ناشد باشا وفي أيام واليها جميل باشا، ولم يكن توليته لهذه الوظيفة عن طلب أو توسل منه، غير أن هذه الوظيفة كان يعين لها من اتصف بالدراية والاستقامة والأمانة، ولاجتماع هذه الخصال في المترجم دعي إلى توليتها وألح عليه في قبولها.

وفي أيام ولاية جميل باشا كان حسام الدين أفندي القدسي رئيسا للمجلس البلدي، فاتهم بالتواطؤ والاتفاق مع المترجم على مناهضة جميل باشا والقيام ضده لما كان يجريه من الأعمال الاستبدادية، وطبعا إن ذلك لم يرق في عين جميل باشا، وكان ممن لا يألو جهدا بالبطش بمن رام معارضته في أعماله ومعاكسته في مقاصده، فاتهم المترجم بالخيانة في صندوق المالية، في حين أن جميل باشا هو الذي كان يشتري بواسطة بعض الصيارف الذين وضعهم تحت يده السندات التي كانت تعطى بيد المأمورين الملكيين والعسكريين.

وبعد أن حوكم في حلب حولت محاكمته بطلب منه إلى ولاية بيروت، وهناك تبينت براءته مما نسب إليه، فعاد إلى حلب وهو ناصع الجبين، ومن ذلك الحين لزم بيته وعكف على المطالعة فيما لديه من نفائس الكتب التي اقتناها بنفسه والتي آلت إليه من والده. ثم إنه في شوال من سنة 1311وقف هذه الكتب ويبلغ عددها ثمانمائة وثمانية وسبعين كتابا والآلات الفلكية وهي أربع وثلاثون قطعة ووضعها في الجامع الكبير، وجعل القيم عليها شيخنا الشيخ أحمد المكتبي، وجعل له لقاء قيامه بذلك سكنى دار من دور وقفه في محلة قلعة الشريف، وبقي ساكنا فيها إلى أن توفي في التاريخ الآتي في ترجمته. وهذه المكتبة نقلتها إدارة الأوقاف إلى المدرسة الخسروية سنة 1341، وفي هذه السنة وهي سنة 1345 نقلتها إلى المدرسة الشرفية وراء الجامع الكبير حيث اتخذت فيها مكتبة عامة تجمع شتات الكتب المتبعثرة في المدارس والزوايا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت