وكان هو القائم في التوقيت في رمضان للإفطار والسحور بنفسه، ويضرب المدفع لأهل البلدة بيده ويعطي قيمة البارود من ماله. ويهتم في أمر النظافة في البلدة كثيرا.
واهتم في جلب ماء عين مرتين إلى إدلب، إلا أنه لم يوفق لذلك، لكنه أودع هذه الفكرة إلى ولده الطبيب السيد محمد حلمي وابن أخيه السيد حكمة، وهما من الأطباء المأذونين من المكتب الطبي في دار السعادة، فهذان جدا في جلب هذا الماء واشتركاهما ومفتي البلدة الشيخ برهان الدين أفندي العيّاشي وقائم مقامها وطنينا توفيق بك الحياني في السعي، وتم ذلك سنة 1343، فكان لهؤلاء اليد البيضاء في إبراز هذا المشروع لحيز العمل جزاهم الله خيرا.
وكان المترجم فصيح المنطق حسن التعبير، تجردت عبارته عن حشو العامة. وكان لكلامه تأثير في القلوب لإخلاصه ولحسن الظن فيه. وكان مؤدبا مهذبا نصوحا يعامل المجاورين عنده في غرف الزاوية أحسن معاملة، وله عليهم غيرة زائدة، وكان يجلس إليهم ويؤنسهم ويعظهم بمواعظ حكمية لا تقل عن الحكم العطائية، فكان المجاورون يجدون لذلك في قلوبهم أحسن تأثير.
وكان منجمعا في نفسه لا يألف مخالطة الناس، ولولا الطبابة ما واجه أحدا ولا خالط أحدا.
وفي الجملة فقد كان من خيار الناس أجمع أهل بلده على الاعتراف بفضله ومهارته في صنعته والثناء على جميل أخلاقه.
وكنت سافرت مع والدي إلى إدلب في صفر من سنة 1307ونزلنا هناك في دار الحاج محمد طاهر الأصفري من تجار إدلب وأعيانها، فصادف أن والدي مرض بعد وصوله بأيام مرضا شديدا، فاستدعي المترجم لتطبيبه، فكنت أراه يأتي له بالعقاقير والبذور، فكان يدقها وينخلها ثم يركبها ويعالج بها سيدي الوالد مع بشاشة ولطف لا مزيد عليهما، وكان يأتي كل يوم لتفقده، وامتد به المرض نحو 15يوما وخشينا وقتئذ موافاة الأجل، فأرسلنا إلى حلب فأرسل لنا وقتئذ محفة (تخت روان) فعدنا فيها إلى حلب، وكانت صحته قد تحسنت نوعا، ويوم عودتنا حضر المترجم على عادته فأخرج سيدي الوالد كيس دراهمه، وكنت مشاهدا لذلك، وقبض قبضة من الدراهم ملء كفه وناولها له فلم يأخذها، وألح عليه كثيرا وهو لا يزداد إلا تمنعا وملاطفة لسيدي الوالد، وهذا ولا ريب من كرم أخلاقه وطيب أعراقه رحمه الله تعالى.
وكانت وفاته في رابع ذي الحجة سنة ألف وثلاثمائة وثماني عشرة، وكان لوفاته رنة حزن عظيمة، ودفن في المقبرة الكبرى القبلية. وكتب على ضريحه من نظم الفاضل الشيخ محمد الخيزراني من جهة القبلة قوله: