فهرس الكتاب

الصفحة 2500 من 2877

على أنه كان على حظ من الدنيا بلغ به مبلغ الرضى وهو الغنى كله، فلم يكن بعد ذلك يحرص على حشد الدينار ولا يعاني الكسب. ولكنه انصرف إلى المطالعة والتوسع في العلم وهو ما لم ينقطع عنه قط مع اشتغاله بالتجارة أيضا. فإنه كان كثير الاختلاف إلى مكاتب لندن وباريز يتصفح ما فيها من الأسفار قديمها وحديثها ولا سيما الخطية منها، فأدرك حظا وافرا من لغة العرب وتواريخهم وآدابهم، وانتسخ منها عدة كتب عزيزة نذكر منها كتاب «يتيمة الدهر» للثعالبي، وهو مصنف ضخم يكون نحوا من ألف وخمسمئة صحيفة كبيرة انتسخه من مكتبة باريز ثم عارضه بنسخة لندن، وأشار إلى مواضع الفرق بين النسختين، ونبه على ما وجده مباينا للصحة من غلط النساخ مما استدركه بنفسه، وبعد ذلك عارضه بالنسخة المطبوعة في دمشق، وبعد أن جمع بينها وبين نسخته وقد تتبعها صحيفة صحيفة وسطرا سطرا علق على هوامشها كل ما وجده من الفروق والزيادات وغيرها، فكانت كل واحدة من هاتين النسختين أصح نسخ هذا الكتاب.

وهناك كتب ورسائل أخر كلها غرر آثار الأقدمين ونوادر تآليفهم انتسخها بخطه مع العناية والتدقيق في مقابلتها وتصحيحها.

وكان مليح الخط نقيّ الرقعة، كثير التأنق كأكثر خطاطي حلب. وكان يكتب أولا بقلم من القصب الهندي وهو شديد الصلابة لا يكاد يتشعث ولا يتغير، ثم صار يكتب بأقلام الحديد ولذلك ترى خطه من أول الكتاب إلى آخره واحدا.

وكان عبد الله من أكابر أهل الإنشاء، حسن الترسل، سهل العبارة، واضح الأسلوب، بصيرا باختيار الألفاظ والتراكيب، حسن النقد، حريصا على البلاغة ووضوح المعاني، آخذا بالنصيب الأوفر من قوالب فصحاء العرب وألفاظ الخاصة من أهل الأدب.

وكان مع ذلك متقنا اللغة الإنكليزية والفرنسوية والطليانية يكتب فيهن جميعا.

وكان له باع طويل في التاريخ والفلسفة وعلم الأخلاق والأديان والشرائع المختلفة، مشاركا في علوم المعاصرين كالطبيعيات والهيئة وسائر الفنون الرياضية. وكان بصيرا بالسياسة مطلعا على أسرارها ودقائقها، وله في كل ذلك مقالات ورسائل شتى، منها ما هو باق بخطه ومنها ما نشر في بعض الجرائد العربية في لندن وباريس وجرائد ومجلات القطر المصري.

وأشهر ما طبع له منها مقالة في التربية التي نشرها تباعا في مجلة (البيان) اليازجية فلا حاجة إلى الإطناب في وصفها.

وأما النظم فإنه مع تضلعه من فنون البلاغة وكثرة ما كان يحفظ من أشعار العرب والمولدين ومع اشتهار بيتهم في الشعر كان قليل الرغبة فيه والمعاناة له، ولا سيما مع ما بلغ إليه الشعر في هذا العصر من الانحطاط والتفاهة ومع قلة المميزين بين جيده ورديئه.

وأما صفاته الشخصية فقد كان ربعة القوام، معتدل الجسم، أبيض اللون، طلق المحيا، فصيح اللسان، مهذب المنطق، واسع الروية، لطيف المحاضرة. وكان رجلا جليل القدر كامل الصفات، قد جمع بين رزانة الإنكليز ورقة الفرنسيس وأريحية العرب. وكان على أعظم جانب من الزهد وخفض الجناح، بعيدا عن الزهو والخيلاء، منزها عن الدعوى والكبر، حتى إنه مع سعة فضله ورسوخ قدمه في العلم والإنشاء وإجماع المطلعين على

استحسان كلامه كان يتفادى من ذكر اسمه في أكثر ما كتبه وما طبع له، ويشترط ذلك على من يروم نشر شيء من آثاره. هذا ولا جرم من عنوان تمام فضله وتناهيه في الكمالات الإنسانية لأنه لم يكن يتوخى فيما يكتبه إلا نشر فائدة أو تقرير حقيقة دون ابتغاء الشهرة والتهالك طلب الإطراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت