ثم عطلت هذه الجريدة، فأصدر جريدة أخرى سماها (الاعتدال) رأيت العدد الأول منها عند الوجيه الموما إليه، وهو مؤرخ في 5شعبان سنة 1296هـ و 25تموز سنة 1879م. ولم يطل أمد هذه أيضا لخروج المترجم فيها عن حد الاعتدال وطعنه الشديد
السيد عبد الرحمن الكواكبي
في سياسة الدولة العثمانية، فلم يسر فيها على مقتضى ما سماها به. وقد تكلم على هذه أيضا في «تاريخ الصحافة العربية» .
والسيد الكواكبي هو أول من أنشأ صحيفة في الشهباء بعد الصحيفة الرسمية، فكان له فضل التقدم، وذلك ينبئك عن علو همته وما انطوت عليه نفسه من حب الإصلاح، غير أنه كان الأجدر به أن يخفف اللهجة في كتاباته ويلين القول في عباراته، لأن الأمراء العثمانيين لم يتعودوا بعد سماع الانتقاد على سياستهم، ولم يألفوا أن ينبهوا إلى سيىء إدارتهم، فلا ريب أنهم يستعظمون ذلك على نفوسهم ويكافحونه بما لديهم من القوة ولا يتكافأ معهم قلم السيد الكواكبي، وبه وحده لا تثل عروش الاستبداد ولا تدك صروح الاستعباد، تلك سنة الله في خلقه.
ولذا كان عمر هاتين الصحيفتين قصيرا، ولم تحصل الثمرة المقصودة ولم تنل الضالة المنشودة، وهي استبدال الإدارة السيئة بإدارة حسنة تنتظم بها حالة البلاد والأمة.
كان الجهل فاشيا في الشهباء، والأمية غالبة في تلك السنين، وقل فيها من كان يكتب ويقرأ، فكان الجدير بالسيد أن يجعل باكورة أعماله نداء الأمة نداء خفيا يحثها على طرح رداء الجهل المنتشر بين أبنائها والتحلي بحلية العلم، ويوقظها من سباتها من حيث لا يشعر به أحد، وينبه فيها الشعور من وراء ستار، لتدب فيها روح الحياة، وتتربى نفوسها على الحركة والعمل. ولا ريب أنه بذلك لا يجد في سبيل سيره معارضة، ولا من أولي الأمر مقاومة، وكان لا يلبث عشية أو ضحاها إلا ويرى أمامه فئة تغذت بلبان العلم واكتست برداء النباهة، وتستبدل الشهباء حينئذ تأخرها العلمي والاقتصادي بالسير إلى الأمام في هذا السبيل من ذلك الحين، وكان يظهر الآن أثر ذلك وتجتنى ثمرته.
وأعظم بهذه النهضة إذا بنيت على التمسك بالشريعة الإسلامية وآدابها العالية والتخلق بالأخلاق الفاضلة التي عليها بني مجدنا الغابر، وبها كنا خير أمة أخرجت للناس.
ولا ريب أن الأمة الحلبية بعد أن تتقلد بهذا السلاح المتين كانت تلتف حوله بطبيعتها، وتكون له خير معين على نيل مقاصده وتحقيق أمانيه، فالمرء كثير بأخيه. وحسبنا في هذا
الباب قوله تعالى {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمََا سُلْطََانًا} (1) وحديث (يد الله مع الجماعة) .