وكان من رأيه أن لا تدخل الدولة العثمانية في حرب ما مع ولاياتها المنفصلة عنها لما كان يراه من ضعفها وانصراف أولياء الأمور فيها والقابضين على زمامها إلى البذخ والترف والانغماس في الملذات والشهوات وارتكاب الموبقات وعدم إقامة العدل وفشو الرشوة في
محاكمها من أكبر مأمور إلى أصغره إلا من رحم ربك، وهذه الأمور منذرات بالخراب سائقات إلى مهاوي الهلكة والدمار، كما قال الله تعالى: {وَإِذََا أَرَدْنََا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا فَفَسَقُوا فِيهََا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنََاهََا تَدْمِيرًا} [1] تلك سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تبديلا.
ولما أعلنت النفير العام حينما نشبت الحرب العالمية الكبرى جزم بتشتتها واضمحلالها.
وكان لا يعبأ بانتصارات الألمان ولا يقيم لها وزنا، ويبرهن على انخذالها في هذه الحرب مهما طال ثباتها وتوالت انتصاراتها.
وكان من المنتحلين للمذهب الوهّابي (المنسوب لمحمد بن عبد الوهاب) ومن الدعاة إليه، يناظر فيه عن علم ممزوج بآداب المناظرة وحسن المجادلة، ولا يمنعه عن المجاهرة بعقيدته وأفكاره مخالفة الناس له في ذلك. ونبذه الناس لانتحاله هذا المذهب لمناظرته فيه ومطالعته كتب الشيخين ابن تيميّة وابن القيّم وإنكاره الشديد على أهل البدع، ونسبوا كل من كان يحضر مجالسه إلى الوهّابية، فكان يتحاماه أكثر عارفيه خصوصا في عهد السلطان عبد الحميد، ومع هذا فإنه لم يزل مصرا على عقيدته ومجاهرته بآرائه، لم يثن عزمه لوم لائم ولا وشاية واش.
وله رسالة وجيزة في الرد على خطبة المسيو جبرائيل هانوتو التزم فيه السجع، فمنها قوله:
إن مقالته تقشعر منها الجلود، وتتفطر منها الكبود، أوقعت بعض الإسلام في حيرة.
وصارت في مجتمعاتهم سيرة، وتغيرت منهم السريرة، فغدوا يتساءلون عن جنايتهم، فالإنجيل شاهد ببراءتهم، وكذلك الإلزاس واللورين، وهم على ذلك من الشاهدين. وغير معلوم ما الحادي للوزير على هذا الأمر سوى ما كان من مسألة الحلول بمصر، وأقرب منه مسألة فشوده. وما حصل فيها من الإهانة على جنوده، فهي من أمل غير بعيد وتحمسه على غير الفاعل ما يطفأ له لهيب.
أعلينا جناح كندة إذ يغنم غازيهم ومنا الجزاء [2]
(1) الإسراء: 16.
(2) البيت للحارث بن حلّزة اليشكري من معلقته.