فهرس الكتاب
وحينما كان الأستاذ الزويتيني مفتيا، وأمينا الفتوى لديه شيخنا الشيخ محمد الزرقا وشيخنا الشيخ محمد الجزماتي، كان المترجم محررا للفتاوى، فاستفاد بذلك ملكة تامة في هذا الفن، وخصوصا حينما كانت تجري المذاكرات الفقهية بين هؤلاء الأعلام في دار الفتوى، وقد كانت وقتئذ في المدرسة الشعبانية. وكان مع وظيفته هذه يحدث أمام الحضرة في أموي حلب ويقوم بوظيفة التوقيت فيه. وبقي على ذلك إلى وفاة مفتي حلب العلامة الشيخ أحمد الزويتيني وذلك سنة 1316، فلزم بعد ذلك بيته وأخذ في رياضة النفس ومجاهدتها، وأقبل على العبادة والذكر، فاعتراه في أثناء ذلك شيء من مرض السوداء لكثرة مجاهدته لنفسه وكثرة الذكر والتلاوة. ثم زال ذلك عنه وعاد لصحوه وكمال عقله. ولم يزل ملازما لبيته لا يخرج منه إلا إلى صلاة الجمعة في جامع محلته (ساحة بزي) وهو فيه مكب على العبادة والتلاوة والمطالعة، ويزوره أهل العلم والفضل ويتبركون بزيارته، حتى إن شيخنا الكبير الشيخ محمد الزرقا زاره غير مرة طالبا منه خير الدعاء. وكان بعض المرضى يؤمون منزله فيقرأ لهم ما تيسر من القرآن والأدعية المأثورة فينال الكثير منهم الشفاء بإذن الله تعالى، وشاهدوا بأم العين بركة يده ودعائه.
وأصيب في حياته بولدين له شابين أديبين أحمد ومحمد، وليس له من الذكور غيرهما، وكانا يطلبان العلم، وقد تلقيا عنه قسما من علم الميقات والفلك. توفي ثانيهما أثناء الحرب العامة بالموصل، وكان قد أخذ إليها جنديا كما أخذ الكثير من طلاب العلوم وقتئذ، وأسف عليه الناس إذ كان ينتظر أن يخلفه في علومه الميقاتية والفلكية، ولم يخبر بوفاة ولده إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى.
وكنت ممن حظي بزيارته غير مرة متبركا به طالبا خير دعائه لما كان عليه من الصلاح والتقوى والإخلاص في العمل، ولحسن محاضرته ومذاكرته. وفي إحدى زياراتي له التمست منه أن يجيزني إجازة عامة بجميع مروياته، فأجاب ملتمسي بعد أن أعارني ثبت جده الشيخ عبد الرحمن الحنبلي المسمى «بمنار الإسعاد في طرق الأسناد» وهو بخطه، ونقلت منه مجمل المؤلفات التي يرويها مع تراجم ما فيه من أشياخه الحلبيين، وقد أشرت إلى ذلك في ترجمة جده هذا، وذيّل ذلك بإجازة حافلة بخطه مؤرخة في سنة 1326. وأجازني أيضا بحديث الرحمة المشهور عند المحدثين بالحديث المسلسل بالأولية، لأن كل راو من رواته لابد أن يقول فيه عن شيخه: وهو أول حديث سمعته منه أو قرأته عليه، أو يقول: وهو أول حديث أجازني به أو أرويه عنه أو رويته عنه.
ولم يكن له من الواردات سوى ما يتناوله من وظيفة درس الحديث في الجامع الأموي والتوقيت فيه، فكان قانعا بهاتين الوظيفتين وبما يعطيه له المستشفون عنده بالقراءة بدون طلب منه أو استشراف له، يعيش بذلك عيش الكفاف.
ولم يزل على ما ذكرنا من لزومه لبيته وانجماعه عن الناس وإعراضه عن هذه الدنيا الفانية وزهده فيها وانقطاعه للعبادة والتلاوة إلى أن توفي ليلة الجمعة في الرابع والعشرين من رمضان سنة 1338، ودفن صبيحتها في تربة الصالحين عند قبور آبائه، رحمه الله تعالى.
وخلت الشهباء بعده من عالم بالفلك والميقات.
وله من المؤلفات «كنوز الأخبار في أحاديث النبي المختار» المنتخب من «الجامع الصغير» للحافظ السيوطي في مجلدين في 670صحيفة بخطه، فرغ من تحريره سنة 1335. وبيعت كتبه بعد وفاته وفيها عدة من النفائس في علم الميقات والفلك من آثار آبائه وأجداده وآثار غيرهم، واشتريت من هذه الكتب منظومة جد المترجم الشيخ عبد
الله لمتن السراجية في علم الفرائض المسماة «باللوامع الضيائية» ، وقد طبعتها في مطبعتي (العلمية) ، وشرح هذه المنظومة لجده الموما إليه وهي بخط شيخنا المترجم نقلها عن نسخة بخط مؤلفها، وقد صارت هذه النسخة إلى الصديق الفاضل الشيخ أحمد الزرقا.