وكانت في تلك الأيام العصيبة جماعة مدفوعون من قبل الجمعيات المتشكلة ضد الحكومة الدستورية يأتون إلى أبواب منازل الاتحاديين ويضعون إشارة عليها بالفحم أو بالتباشير ليرسل إليهم ليلا أناس يغتالونهم. ففي بعض الأيام وجد المترجم تلك الإشارة على باب منزله في (كدك باشا) فاستقصى الأمر فأدرك المغزى، فغادر المنزل إلى أقسراي فاختفى في دار امرأة عجوزة مدة إلى أن حضر محمود شوكت باشا إلى الآستانة بجيوشه
الجرارة ودخل الآستانة عنوة وخلع السلطان عبد الحميد وأجلس السلطان محمد رشاد وسكنت تلك الفتن، وعين لمنصب الصدارة حقي باشا، وهذا أيضا اعتمد غاية الاعتماد على المترجم لما رآه فيه من الجد والنشاط وفرط الغيرة والإقدام، فكان يوليه مهام الأمور ورقاه إلى رتبة (ميرالاي) .
وبعد مدة وجيزة أظهرت الدولة الإيطالية نواياها تجاه طرابلس الغرب، فساقت إليها جنودها وأساطيلها، وعندئذ أعلن الحرب بينها وبين الدولة العثمانية ودامت نحو سنة.
وكانت إيطاليا في أثناء ذلك تسعى السعي الحثيث في إيقاد نيران الفتنة والعصيان في البلقان لتشغل الدولة العثمانية عنها فتحول نظرها عن طرابلس الغرب إلى البلقان، فظهرت فتنة الأرنؤوط وأعقبتها طغيان الماليسور في ولاية أشقودرة، وانتشرت شرارات الفتنة إلى بلاد الأرنؤوط الجنوبية حتى حدود اليونان. فانتهزت عصابات البلغار والصرب واليونان هذه الفرص الثمينة، وطفقت تنسل من كل حدب، وصارت تأتي بأنواع الفظائع، والدول الغربية تشجعها وتمدها مادة ومعنى، فاضطرت عندئذ أن تقبل الدولة العثمانية مطاليب الأرنؤوط الأربعة عشر، وكان أولها إسقاط الوزارة وفسخ مجلس المبعوثين، فسقطت وزارة حقي باشا وأعقبتها وزارة سعيد باشا، ثم ما لبثت أن سقطت وخلقتها وزارة الغازي أحمد مختار باشا.
ظن هذا الشيخ الهرم أنه يتمكن من حل تلك المشكلات العظيمة بالطرق الحكمية بالاتفاق مع الدول الغربية وتوسطهم، واغتر بمواعيدهم الخلابة، فأمر بصرف الجيش النظامي المحتشد في ولايات البلقان المجهز بأنواع الأسلحة من الطراز الأخير، وكان يبلغ 150ألفا، وعندئذ قام غير المسلمين من عناصر (الأسلاو) في قضاء برانة والتحقوا بعصاة الماليسوريين في ولاية أشقودرة وأخذوا اعتبارا من 14تموز سنة 1328رومية يحرقون الحصون التي على الحدود ويتجاوزون على الأطراف ويسفكون دماء الأبرياء وينهبون ويسلبون. فأرسلت حينئذ دولة النمسا قرارا إلى الدولة العثمانية يحتوي على مادتين مصدقتين من قبل الدول العظمى، وخلاصتهما إعطاء الحكم الاختياري إلى كل من مكدونيا وبلاد الأرنؤوط، فاستقالت عندئذ وزارة أحمد مختار باشا وخلفتها وزارة كامل باشا الصدر المشهور.
وكان ناظم باشا وزيرا للحربية في هذه الوزارة، وكان شديد البغض والعداوة لمحمود شوكت باشا فاتح الآستانة ولا يركن إلى حواشيه ومعتمديه. فصادف ذات يوم أن المترجم محمود كامل باشا ذهب مع بعض أصدقائه وإخوانه إلى (حريت أبدية تبه) وهو موضع قتل فيه بعض ضباط الاتحاديين يوم حادثة 31مارت سنة 1325، وتبعهم بعض جواسيس الوزارة ونفر من مخابري الجرائد [الاتحاديين والائتلافيين] فأبّن هؤلاء القتلى بخطبة وجيزة خالية عن كل مغزى سياسي، فما مضى على ذلك بعض ساعات إلا وانتشرت تلك الخطبة في الجرائد بحذافيرها، وصارت جرائد الاتحاديين تحبذها وجرائد الائتلافيين تبني عليها القصور والعلالي، واتصل الخبر بالصدر كامل باشا ووزير الحربية ناظم باشا وقامت في الوزارة ضجة أصبح كل واحد من المجتمعين يوجس خيفة في نفسه من هذا الاجتماع.