وفي ذلك الوقت أعلن الحرب رسميا بين الدولة العثمانية وبين دول البلقان الأربع البلغار والصرب وقره طاغ [الجبل الأسود] واليونان اعتبارا من 19أيلول سنة 1328، وتجاوزت عساكرها حدود البلاد العثمانية. وكانت العصابات قبل ذلك منتشرة في أنحاء البلقان تقطع الطرق وتنهب القوافل وتعيث فسادا في تلك الربوع، فلم تكن عشية أوضحاها إلا وجيوش الدولة العثمانية تبعثرت وتشتت، منها من فر ومنها من أصبح أسيرا ومنها من قتل، وصارت أكثر بلاد الرومللي وما فيها من أنواع الأسلحة والذخائر الحربية في قبضة الأعداء. ثم زحفت جيوش الدول الأربع نحو الآستانة وامتلكوا في طريقهم بلدتي (قرق كليسا) و (لوله بور غاز) اللتين هما بمثابة مفتاحين للآستانة، وأصبحت جيوش الأعداء أمام جتالجة، فتفاقم عندئذ الأمر وعظم الخطب وقامت قيامة الآستانة واضطرب أهاليها أيما اضطراب، وامتد ذلك الاضطراب إلى جميع البلاد العثمانية. فعقد حينئذ في القصر
الهمايوني مجلس للمذاكرة في شروط الهدنة، ثم عقد الصلح. حصل ذلك وكل من أدرنة ويانية وأشقودرة لم تسقط، وكانت هذا البلاد تذب عن حياضها وتدافع دفاع الأبطال في سبيل الشرف العسكري وحب الأوطان.
وكان القائد في أدرنة شكري باشا، وفي يانية وهيب باشا، وفي أشقودرة أسعد باشا وحسن رضا باشا، وكان هذان يقدمان الذخائر وسائر اللوازم، وكانت القلاع والحصون هي التي تحارب وتدافع، وكان القائد فيها والمدافع عنها هو المترجم (محمود كامل باشا) .
وفي أثناء ذلك عقد الصدر الأعظم كامل باشا ووزير الحربية ناظم باشا الهدنة وشرعا في المذاكرة مع قواد جيوش الأعداء، وكاد يتم الصلح على أسوأ الشروط، ففاجأهم حضور أنور باشا من طرابلس الغرب، وكان إذ ذاك برتبة (قائمقام) ، ولما حضر اجتمع بنبهاء الضباط والأمراء، وتجمهر قسم من الضباط والأهالي وذهبوا إلى الباب العالي وعلى رأسهم أنور باشا، وكان مجلس الوكلاء منعقدا، فأراد أنور باشا الدخول فمنعته القوة المحافظة الواقفة أمام الباب، فدخله عنوة مع بعض من معه، ولما صعدوا إلى فوق ومشوا خطوات رأوا ناظم باشا ومعه مرافقه وفي أيديهما المسدسات، فبادرهما أنور باشا ومن معه وأطلقوا عليهما الرصاص، فوقعا صريعين. ثم دخل أنور باشا إلى قاعة المجلس فانهزم قسم من الوزراء وقسم اختبأ في بعض الغرف. وكان كامل باشا الصدر يرتجف خوفا وجزعا، فكلفه أن يستقيل، فأجابه للحال. وعقب ذلك عين محمود شوكت باشا لمنصبي الصدارة ونظارة الحربية وأعطي رتبة مشير.
ولما استلم محمود شوكت باشا زمام الصدارة والنظارة ابتدأ بشروط الصلح من جهة، وبتنظيم الجيش وإصلاح ما طرأ عليه من الخلل وبحشد الجنود من جهة أخرى. ولما كانت الشروط المعروضة من قبل الأعداء مجحفة ردت ولم تقبل، وجيوش الأعداء واقفة في جتالجة أمام الآستانة.
حصلت هذه الحوادث الهامة في هذه المدة والبلاد الثلاثة أدرنة ويانية وأشقودرة تدافع ولم تسكت فيها أصوات المدافع. وبعد أشهر سقطت أدرنة، ثم تلتها يانية، وظلت أشقودرة تقاوم أحسن المقاومة. وكانت صحف العالم تتعجب من المقاومة التي أبدتها، وكان المهاجمون لقلاعها هم عساكر الصرب والجبل الأسود، وتقدر عساكر الصرب
بثلاثين ألفا وعساكر الجبل بخمسة عشر وذلك ما عدا المتطوعين. وكان قواد هذه الجيوش يراسلون محمود كامل باشا ويرجون منه أن يقلع عن المقاومة ويسلم بالشروط التي يرتضيها، وهم مع ذلك كانوا يرسلون له بالأراجيف من سقوط القلاع والبلاد والآستانة وأن السلطان في الأسر، فكان كل ذلك لا يؤثر على محمود كامل باشا، وكان تارة لا يرد لهم جوابا، وتارة يجاوبهم أن لديه من المؤن والذخائر والعساكر ما يكفيه سنين، في حين أنه لم يكن لديه من كل ذلك إلا القليل، بل وصلوا إلى التغذي بلحوم الدواب الضعيفة والمريضة وبالكلاب والهررة.