بناء على تحريركم المؤرخ في 13كانون الأول سنة 1328راجعت بصورة خاصة سفير دولتي أوستريا ومجارستان في جتيته مستفسرا عن صحة أخيكم محمود كامل بك قائد قلعة أشقودرة، فورد لي الجواب أخيرا أنه لا يمكن المخابرة مع أشقودرة، حتى إن السفير نفسه لم يتمكن من أخذ معلومات عن المعتمد الموجود
في أشقودرة. وجاء في الجواب أيضا أن الحوادث المستقاة من محافل حكومة الجبل الأسود تفيد أن صحة المحصورين وعافيتهم جيدة سيدي.
(في 7شباط سنة 1913سفير ويانة حسين حلمي)
وهنا نقتطف جملا من أول كتاب ورد من المترجم إلى أهله بعد عوده من حصار أشقودرة إلى الآستانة مؤرخ في 4حزيران سنة 1329رومية، قال:
بعد غيبوبة عن إستانبول دامت قدر تسعة أشهر وبعد حرب ومحاصرة في أشقودرة طالت ستة أشهر ونصفا عدت إلى الآستانة يوم الجمعة الماضي. كنت في أشقودرة قائد طرابوش أول هجوم (بومبار دمان) حصل كان متجها على منطقتي، وكانت منطقتي دائما هي الأكثر تعرضا للهجوم. تفادي عسكرنا وشجاعته قد حير العقول. لو كان عندنا أرزاق لما كان للعدو نصيب أن يخطو خطوة نحو أشقودرة، ولولا نفاد الذخائر عندنا لما سلمت أشقودرة إلى الجبليين حسب الشروط التي ترونها في جريدة طنين إلخ.
وبعد رجوعه إلى الآستانة عيّن في نظارة الحربية بوظيفة مهمة، ثم عيّن لمستشارية نظارة الحربية، وبعد زمن قليل رفعت رتبته إلى (مير لواء) وعين مستشارا في النظارة الموما إليها.
ولم يمض على مجيئه أشهر إلا واكفهر وجه السياسة وأخذت علائم الحرب العالمية تبدو وتتراءى أشباحها، وكان وميض برقها يشتعل تحت الرماد، ولا حاجة هنا لذكر ما كان يجري في العالم الغربي والعواصم الأوربوية من ضروب السياسة وأنواع المخادعات، ذلك العالم الذي أصبح ديدنه بذر بذور الشقاق وإيجاد الشرور والفساد بين الدول والعباد ليستفيد هو من ذلك ويكون بقية العالم فريسة له يزدردها ويسد بها جوعته وجشعه. وما كانت دولة من الدول أو أحد من الناس ليظن بأن هذه الحرب ستشمل ثماني عشرة دولة من أعظم وأنظم دول الأرض، وأنها ستدوم أربع سنين يذهب بها كما ذكره أحد علماء الإحصاء من الأمير كان أربعون مليونا من البشر هم زهرة أهل البلاد وشبانها بين قتيل وجريح وغريق وغير ذلك، وتذهب بها ثروة العالم وتنقلب إلى أوراق تلتهمها النيران بأسرع من لمح
البصر، وتنحصر تلك الثروة العظيمة التي لا تحصى في دولتين أو ثلاث، وأن تثل فيها عروش قياصرة الأرض وجبابرتها، وتصبح فيها تيجان الملوك المرصعة بين الأرجل وتقتل أصحابها شر قتلة، ويضحي البعض منهم مقيدا بالسلاسل والأصفاد، ويمثل بالبعض منهم أشنع تمثيل في الكهوف والغابات، ومن فر منهم وسلم من عائلاتهم وذراريهم تشتت في أطراف البلاد، فصار منهم من يتعاطى أحط الصنائع وأدناها مثل المقاهي والمراقص، ومنهم من لا يجد ما يسد به الجوع ولا مسكنا يأوي إليه. ولا تسل بعد ذلك عن بقية طبقات العالم حيث أصبح أولادهم يتامى ونساؤهم أيامى، وصاروا إلى الدرك الأسفل من الفقر والفاقة، ومات من الناس جوعا أمم لا تعد ولا تحصى.