فهرس الكتاب

الصفحة 2647 من 2877

وحيث إن الآستانة لم تزل تحت احتلال جيش الحلفاء فخشي أن تشعر به الإنكليز فتقبض عليه ثانية، فذهب إلى دار أصحابه إلى مكان لا يلتفت إليه، وهناك اختبأ وأخبر أخاه المقيم هناك وعائلته واجتمع بهم مدة أسبوع، ثم جهز لوازم السفر وسافر إلى (إينه بولي) ميناء أنقرة في البحر الأسود، فوصلها وأقام بها مدة خمسة أيام، وبينما هو بها إذ بذلك المرض الفتاك وهو مرض القلب قد عاد إليه، فلزم الفراش واستدعى عائلته من الآستانة لتكون عنده وتعتني في أمر تمريضه. وفي أثناء مرضه طلع من البحر رجل متنكر الاسم والهيئة، فألقت الحكومة عليه القبض، وبعد التحقيق والاستنطاق تبين أنه فدائي من فدائيي الأرمن كان يتتبعه ويفتش عليه في البلاد، وبلغه أنه حضر (إلى إينه بولي) فتبعه إليها ليغتاله، ولما انكشف أمره وأجريت محاكمته أعدم.

وفي أثناء ذلك حضر إلى (إينه بولي) القائد الشهير كاظم قره بكر باشا قادما من أرزن الروم ذاهبا إلى أنقرة، فعاد المترجم وتذاكرا في أمور شتى هامة، وبعد خروجه من عنده بات يذرف الدمع.

وما مضى على ذلك مدة شهرين إلا وأنشبت المنية فيه أظفارها.

والموت نقّاد على كفه ... جواهر يختار منها الجياد

ونقلت جثته إلى الآستانة، وحين وصولها إليها جرى لها استقبال فائق، ودفن حسب وصيته في جامع السليمانية، فرحمه الله رحمة واسعة.

أما اليونانيون فإنهم توغلوا في البلاد العثمانية حتى قاربوا أنقرة، وكانت الجيوش التركية تفسح لهم المجال خداعا منهم، ثم كرت عليهم وضربتهم تلك الضربة الشديدة، وفي مدة عشر أيام فتكت بهم فتكا ذريعا وقتلت منهم مقتلة عظيمة وأرجعتهم إلى إزمير وزج الكثير منهم في قعر البحر، واستردت منهم إزمير وجميع بلادها المحتلة. والوقائع معلومة مشهورة نشرتها صحف العالم في حينها بملء الإعجاب ودونت تفاصيلها في بطون الأسفار.

وكان رحمه الله على غاية من الشجاعة والإقدام، لا يعرف الكلل في أعماله ولا الملل في أشغاله، ذا وقار وهيبة ورأي ثاقب، مفرط الذكاء، سريع الانتقال، حلو الحديث، لطيف المحاضرة، بعيدا عن الرذائل وسفاسف الأمور، لا يقبل التزلف ولا يحب الشهرة والفخفخة، سخي اليد يصرف كثيرا في مساعدة أحبابه وفي سبيل الخير.

وكان يجيد اللغة التركية تمام الإجادة، آخذا من العربية وآداب لغتها بحظ وافر، ويتكلم باللغة الإفرنسية والألمانية ويجيد الكتابة فيهما، ويفهم الكلام بالفارسية لكن لا يقدر أن يتكلم فيها. وفي منفاه في مالطة كان يدرس اللغة الإنكليزية.

وكان المنفيون معه يعجبون بصبره وعظيم ثباته وعدم جزعه وتحمله للمشاق ودماثة أخلاقه وحسن طويته. وكان كل من له به معرفة وله معه صلة يعرف فيه هذه المحاسن وتلك المزايا.

وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت