قال في الروضتين: فيها حاصر نور الدين قلعة حارم وهي حصن غربي حلب بالقرب من أنطاكية وضيق على أهلها وهي من أمنع الحصون وأحصنها في نحور المسلمين، فاجتمعت الفرنج من قرب منها ومن بعد وساروا نحوه لمنعه. وكان بالحصن شيطان من شياطين الفرنج يرجعون إلى رأيه فأرسل إليهم يعرفهم قوتهم وأنهم قادرون على حفظ الحصن والذب عنه بما عندهم من العدد وحصانة القلعة، ويشير عليهم بالمطاولة وترك اللقاء، وقال
لهم: إن لقيتموه هزمكم وأخذ حارم وغيرها وإن حفظتم أنفسكم منه أطقنا الامتناع عليه، ففعلوا ما أشار به عليهم وراسلوا نور الدين في الصلح على أن يعطوه حصته من حارم، فأبى أن يجيبهم إلا على مناصفة الولاية، فأجابوه إلى ذلك فصالحهم وعاد.
وأنشده ابن منير قصيدة طويلة يهنئه بالعود من غزاة حارم مطلعها:
ما فوق شأوك في العلا مزداد ... فعلام يقلق عزمك الإجهاد
همم ضربن على السماء سرادقا ... فالشهب أطناب لها وعماد
أنت الذي خطبت له حساده ... والفضل ما اعترفت به الحساد
ومنها:
ألبست دين محمد يا نوره ... عزا له فوق السها إسآد [1]
ما زلت تسمكه بمياد القنا ... حتى تثقف عوده المياد
لم يبق مذ أرهفت عزمك دونه ... عدد يراع به ولا استعداد
إن المنابر لو تطيق تكلما ... حمدتك عن خطبائها الأعواد
ومنها:
ورجا البرنس وقد تبرنس ذلة ... حرما بحارم والمصاد مصاد
ضجت ثعاليه فأخرس جرسها ... بيض تناسب في الحديد حداد
وسواعد ضربت بهن وبالقنا ... من دون ملة أحمد الأسداد
يركزن في حلب ومن أفنانها ... تجني فواكه أمنها بغداد
وختمها بقوله:
لا ينفع الآباء ما سمكوا من ال ... علياء حتى ترفع الأولاد
ملك يقيد خوفه ورجاؤه ... ولقلما تتضافر الأضداد
وقال يهنئه بالنصر يوم حارم أيضا قصيدة أولها (لملكك ما تشاء من الدوام) يقول فيها:
حظيت من المعالي بالمعاني ... ولاذ الناس بعدك بالأسامي
(1) هكذا في الأصل. ولعل الصواب: عزا له فوق السهاء إساد. والإسادة بفتح الهمزة وضمها: الوسادة