وكانت التراكمين قد أغاروا على بلاد سيس ومعهم ابن قرمان فتركوها أوحش من بطن حمار، فبعث تكفور رسله في البحر إلى دمياط فلم يأذن السلطان لهم في القدوم عليه من أجل أنهم لم يعلموا نائب الشام بحضورهم، فعادوا إلى تكفور فبعث بهدية إلى نائب الشام وسأله منع العسكر من بلاده وأن يسلم القلاع التي من وراء نهر جيحان جميعها للسلطان، فكاتب السلطان بذلك وبعث أوحد المهمندار إلى نائب حلب بمنع القادة ورد الآلات إلى بغراس، فردها وركب بالعسكر إلى أياس فقدمها يوم الاثنين ثاني عشر شوال وقد تحصنّت، فبادر العسكر وزحف عليها بغير أمره فكان يوما مهولا جرح فيه جماعة كثيرة. واستمر الحصار إلى يوم الخميس خامس عشره أحضر نائب حلب خمسين نجارا وعمل زحافتين وستارتين ونادى في الناس بالركوب للزحف، فاشتد القتال حتى وصلت الزحافات والرجال إلى قرب السور بعدما استشهد جماعة كثيرة، فترجل الأمراء عن خيولهم لأخذ السور، وإذا بأوحد المهمندار ورسل تكفور قد وافوا برسالة نائب الشام فعادوا إلى مخيمهم، فبلغهم أن يكفوا عن الغارة، فلم يوافقوه على ذلك، واستقر الحال على أن يسلموا أياس بعد ثمانية أيام. فلما كان اليوم الثامن أرسل تكفور مفاتيح القلاع على أن يرد ما سبى ونهب من بلاده، فنودي برد السبي فأحضر كثير منه وأخرب الجسر الذي نصب على نهر جيحان. وتوجّه الأمير مغلطاي العزي فتسلم قلعة كوارة وكانت من أحصن قلاع
الأرمن، مساحتها فدان وثلث وربع فدان وارتفاعها اثنان وأربعون ذراعا بالعمل، وأنفق تكفور على عمارتها أربع مائة ألف وستين ألف دينار، وتسلم العسكر أياس والبرج الأطلس وهدم في ثمانية أيام بعد ما عمل فيه أربعون حجّارا يومين وليلتين حتى خرج منه حجر واحد، ثم نقب وعلق على الأجسام (هكذا) وأضرمت فيه النار فسقط جميعه، وكان برجا عظيما بلغ ضمانه في كل شهر لتكفور مبلغ ثلاثين ألف دينار حسابا عن كل يوم ألف دينار سوى خراج الأراضي. وكان بها أربعمائة خمارة وستمائة بغي، كان في ظاهرها ملاحة تضمن كل سنة بسبعمائة ألف درهم، ولها مائتان وستة عشر بستانا يغرس فيها أنواع الفواكه ودور سورها فدانان وثلثا فدان.
ثم رحل العسكر عن أياس بعد ما أقاموا عليها اثنين وسبعين يوما، فمرّ نائب حلب على قلعة نجمة وقلعة أسفندكار وقد أخربهما مغلطاي العزي حتى عبر بالعسكر إلى حلب في رابع عشرين ذي الحجة، فعاد العسكر إلى مصر وقد مرض كثير منهم ومات جماعة، فأكرم السلطان الأمير أرقطاي وخلع عليه، وبعث تشريفا إلى نائب حلب، وأقطع أراضي سيس لنائب حلب ونائب الشام وغيرهما من أمراء الشام، وأمّر فيها جماعة من التركمان والأجناد فاستعملوا الأرمن في الفلاحة وحطوا عنهم من الخراج فعمرت ضياعها، وضمنت بعض عجائز الأرمن بها خمارة بألف درهم كل يوم فلم توافق على ذلك. وعمل في كل قلعة من قلاع الأرمن نائب ورتب فيها عسكر. ثم قدمت رسل تكفور فخلع عليهم وكتب بترك الخراج عنهم ثلاث سنين ومهادنتهم عشر سنين.
وفيها كانت حرب بين خليل الطرفي وبين خليل بن دلغادر وانهزم الطرفي إلى حلب فقام معه نائبها وبعث بالإنكار على ابن دلغادر فانتمى إلى نائب الشام ووعد على نيابة الأبلستين بألفي إكديش وإقامة ثلاثين أمير طبلخاناه فعني به نائب الشام، حتى قدم إلى قلعة الجبل وخلع عليه في يوم وكتب له ثلاثين منشورا بأمريات جماعة منهم وخلع على جميع من معه وسار.
قال ابن الوردي: في هذه السنة في صفر توفي بدر الدين محمد بن إبراهيم
ابن الدقاق الدمشقي ناظر الوقف بحلب، وفي أيام نظره فتح الباب المسدود الذي بالجامع شرقي المحراب الكبير لأنه سمع أن بالمكان المذكور رأس زكريا النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم، فارتاب في ذلك فأقدم على فتح الباب المذكور بعد أن نهي عن ذلك، فوجد بابا عليه تأزير رخام أبيض ووجد في ذلك تابوت رخام أبيض فوقه رخامة بيضاء مربعة، فرفعت الرخامة عن التابوت فإذا فيها بعض جمجمة فهرب الحاضرون هيبة لها، ثم رد التابوت وعليه غطاؤه إلى موضعه وسدّ عليه الباب ووضعت خزانة المصحف العزيز على الباب، وما أنجح الناظر المذكور بعد هذه الحركة وابتلي بالصرع إلى أن عض لسانه فقطعه ومات، نسأل الله أن يلهمنا حسن الأدب اه.