فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 2877

وفي أول يوم من ربيع الآخر برز إلى ظاهر البلد متوجها نحو دمشق، وثاني يوم أرسل يطلب علماء البلد فرحنا إليه والمسلمون في أمر مريج وقطع رؤوس، فقلنا ما الخبر فقيل إن تيمور لنك يطلب من عساكره رؤساء من المسلمين على عادته التي كان يفعلها في البلاد التي أخذها، فلما وصلنا إليه أرسلنا رسولا يقول له إننا قد حضرنا وهو قد حلف أن لا يقتل منا أحدا صبرا، فعاد إليه ونحن ننظره وبين يديه لحم سليق في طبق يأكل منه، فتكلم معه يسيرا، ثم جاء إلينا شخص بشيء من ذلك اللحم فلم نفرغ من أكله إلا وزعجة قائمة وتيمور لنك صوته عال وساق شخص هكذا وآخر هكذا، وجاءنا أمير ليعتذر ويقول إن سلطاننا لم يأمر بإحضار رؤوس المسلمين وإنما أمر بقطع رؤوس القتلى وأن يجعل

منها قبة إقامة لحرمته على جري عادته ففهموا عنه غير ما أراد، وإنه قد أطلقكم فامضوا حيث شئتم. وركب تيمورلنك من ساعته وتوجّه نحو دمشق فعدنا إلى القلعة ورأينا المصلحة في الإقامة بها، وأخذ الأمير موسى في الإحسان إلينا وقبول شفاعتنا وتفقد أحوالنا مدة إقامته بحلب وقلعتها، وتأتينا الأخبار بأن سلطان المسلمين الملك الناصر فرج قد نزل إلى دمشق وأنه كسر تيمور لنك، ومرة نسمع بالعكس إلى أن انجلت القضية عن توجّه السلطان إلى مصر بعد أن قاتل مع تيمور لنك قتالا عظيما أشرف منه تيمور لنك على الكسر والهزيمة [1] ، وإنما حصل من بعض أمرائه خيانة وكان ذلك سبب توجهه إلى مصر أخذا بالحزم. ودخل تمر لنك إلى دمشق ونهبها وحرقها وفعل فيها فوق ما فعل بحلب، ولم يدخل طرابلس بل أحضر له منها مال، ولا جاوز فلسطين وعاد نحو حلب راجعا طالبا بلاده.

ولما كان سابع عشر شهر شعبان من السنة المذكورة وصل تيمور لنك عائدا من الشام إلى الجبّول شرقي حلب، ولم يدخل حلب بل أمر المقيمين بها من جهته بتخريب القلعة وإحراق المدينة، ففعلوا ونزلوا من القلعة. وطلبني الأمير السيد عز الدين وكان من أكبر أمرائه وقال: إن الأمير تيمورقان يسلم عليك ويقول: إن عنده مثلك كثيرا، وهذه البلاد باب مكة وليس بها عالم، فلتكن أنت بها، وقد رسم بإطلاقك ومن معك من القضاة فاطلب من شئت وأكثر لأروح معكم إلى مشهد الحسين وأقيم عندكم حتى لا يبقى من عساكرنا أحد. وكان القاضي شرف الدين موسى لا يفارقني، وطلبنا من تأخر من القضاة بالقلعة واجتمع منا نحو ألفي مسلم وتوجهنا صحبة المشار إليه لمشهد الحسين وأقمنا به ننظر إلى حلب والنار تضرم في أرجائها، وبعد ثلاثة أيام لم يبق من التتار أحد، ونزلنا إلى بيوتنا بالمدينة فاستوحشنا منها ولم يقدر أحد منا على الإقامة ببيته من النتن والوحشة ولا يمكن السلوك في الأزقة من ذلك، كما قال:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر

وكانت نواب الشام معه مأسورين فانفلتوا منه أولا بأول، وكان السيفي دمرداش الخاصكي حين انفلت منه من حماة حال توجهه إلى نحو دمشق توجه نحو السلطان واتفق

(1) من قوله وإنما حصل إلى قوله طالبا بلاده سقط من النسخة المطبوعة على هامش الكامل وهي موجودة في نسخة خطية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت