ثم إن الأمير دمرداش جمع العسكر وتوجه إلى أنطاكية لقتال ابن صاحب الباز ثانيا، وذلك في سنة سبع وثمانمائة، وكتب إلى الأمير علي باك بن ذي الغادر وإلى الأمير
أحمد بن رمضان مقدمي التركمان بالبلاد الشمالية يستنجد بهما على ابن صاحب الباز، فوافياه على أنطاكية، فدخل ابن صاحب الباز إلى أنطاكية ومعه الأمير جكم وتحصّن بها، فأقام العسكر عليها مدة ولم يظفروا منها بطائل، ثم رجع عنها الأمير دمرداش حين بلغه الخبر أن المصريين اختلفوا وهرب منهم جماعة من الأمراء الكبار ووصلوا إلى دمشق، ودخل الأمير دمرداش إلى حلب بالعسكر فاستفحل أمر فارس بن صاحب الباز وعظم شأنه واستولى على البلاد الغربية بأسرها ووصل إلى أطراف جبل سمعان وتوجه إلى جماعة من جند حلب وأقاموا عنده لأجل إقطاعاتهم، وكذلك استولى على جانب من بلاد طرابلس كصهيون وناحيتها وصار له من باب الملك صهيون وبرزية وأطراف بلد سرمين وأطراف جبل سمعان، وبقي نوّاب حلب ليس لهم حكم في تلك البلاد بالكلية وصاروا كالمحصورين، فإن هذه البلاد التي استولى عليها هي التي كانت عامرة من أعمال حلب وهي أنطاكية والقصير والشغر وديركوش وتيزين وحارم وبغراس والحلقة وسائر أعمالها وبرزية وصهيون واللاذقية وجبلة وتلك النواحي، وعجز النوّاب عن دفعه للخلف وقلة العسكر، وصار ابن صاحب الباز في عسكر عظيم إلى أن قدّر الله تعالى بتولية جكم نيابة حلب من قبل السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق، فدخل حلب واستمر بها أياما ثم أخذته الأنفة والحمية، فجمع عسكر حلب وجماعة من غير العسكر من أهل حلب رجّالة وخيّالة، وخرج من حلب متوجها لقتال ابن صاحب الباز واستنقاذ البلاد منه بعد أن جهز يطلب منه البلاد، فلم يجب إلى ذلك وجمع وحشد وتوجّه نحو حلب فوصل إلى أرتاح، فوصل إليه الأمير جكم بعساكره وجمائعه وتصافا وتقاتلا، فانكسر ابن صاحب الباز وهزمه الله تعالى فولى هاربا نحو أنطاكية، وذلك في أوائل شوال سنة ثمان وثمانمائة، ونهب الأمير جكم والعسكر الحلبي جميع ما مع التركمان واستمر فارس هاربا إلى أن دخل أنطاكية، فتوجه إليه الأمير جكم بمن معه من العساكر وحاصره بأنطاكية مدة.
ثم بلغ الأمير جكم أن الأمير نعير بن جبار متوجه إليه نجدة لابن صاحب الباز، فترك جكم أنطاكية وتوجه بعساكره إلى جهة نعير فوصل بلد سرمين، ثم نزل على قرية زيتان من نهريات حلب القبلية واتفق بينه وبين نعير وقعة حكيناها في ترجمة الأمير جكم. ثم لمّا فرغ الأمير جكم من قتالهم رجع من فوره إلى جهة أنطاكية ولم يدخل حلب، فوجد ابن صاحب الباز قد تجمع ونزل على جسر الحديد من جهة الغرب وقطع الجسر، فنزل
جكم من شرقي الجسر واستمر يحاصره أياما، وشرع الأمير جكم في حفر نهر ليحول العاصي ويدخل إليهم وأوهمهم بذلك، وكتب إلى ابن رمضان (صاحب مرعش) لينجده وكتب ابن صاحب الباز إلى ابن رمضان أيضا وهو شهاب الدين أحمد لينجده، فجاء ابن رمضان فخافه ابن صاحب الباز فهرب إلى جهة القصير وصعد القلعة وتحصّن بها هو وجماعته، فتوجه إليه الأمير جكم بعساكره وحاصره بقلعة القصير أياما. ثم إن ابن صاحب الباز طلب الأمان من جكم فأعطاه الأمان ونزل إليه من القلعة فاستمر عنده أياما ثم سلمه إلى الأمير غازي بن أوزر وكان بينه وبين ابن صاحب الباز عداوة وكان ابن صاحب الباز قد قتل بعض جماعة ابن أوزر فقتله غازي ابن أوزر وقتل معه ابنه وغيره من جماعته، وذلك في شوال أو ذي القعدة سنة ثمان وثمانمائة.