فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 2877

قال ابن الأثير: والسبب في هذا الفتح أن نور الدين لما عاد منهزما على ما سبق من غزوة ناحية حصن الأكراد أقبل على الجد والاجتهاد والاستعداد للجهات والأخذ بثأره وغزو العدو في عقر داره وليرتق ذلك الفتق ويمحو سمة الوهن ويعيد رونق الملك، فراسل أخاه

قطب الدين بالموصل وفخر الدين قرا أرسلان بالحصن ونجم الدين ألبي بماردين وغيرهم من أصحاب الأطراف.

أما قطب الدين أتابك فإنه جمع عساكره وسار مجدا وعلى مقدمة عسكره زين الدين نائبه، وأما فخر الدين قرا أرسلان فإنه بلغني عنه أنه قال له خواصه: على أي شيء عزمت؟ فقال: على القعود فإن نور الدين قد تحشف من كثرة الصوم والصلاة فهو يلقي نفسه والناس معه في المهالك، وكلهم وافقه على ذلك. فلما كان الغد أمر بالنداء في العسكر بالتجهز للغزاة فقال له أولئك: ما عدا مما بدا فارقناك بالأمس على حال ونرى الآن ضدها، فقال إن نور الدين قد سلك معي طريقا إن لم أنجده خرج أهل بلادي عن طاعتي وأخرجوا البلاد عن يدي فإنه كاتب زهادها وعبادها المنقطعين عن الدنيا يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج وما نالهم من القتل والأسر والنهب ويستمد منهم الدعاء ويطلب منهم أن يحثوا المسلمين على الغزاة، فقد قعد كل واحد من أولئك ومعه أتباعه وأصحابه وهم يقرؤون كتب نور الدين ويبكون ويلعنونني ويدعون علي، فلابد من إجابة دعوته. ثم تجهز أيضا وسار إلى نور الدين بنفسه.

وأما نجم الدين ألبي فإنه سير عسكرا، فلما اجتمعت العساكر سار نحو حارم فنزل عليها وحصرها وبلغ الخبر إلى من بقي من الفرنج بالساحل أنه لم يسر إلى مصر، فحشدوا وجاؤوا ومقدم الفرنج البرنس صاحب أنطاكية والقمص صاحب طرابلس وأعمالها وابن جوسلين وهو من مشاهير الفرنج وأبطالها والدوك وهو رئيس الروم ومقدمها، وجمعوا معهم من الراجل ما لا يقع عليه الإحصاء قد ملؤوا الأرض وحجبوا بقسطلهم السماء، فحرض نور الدين أصحابه وفرق نفائس الأموال على شجعان الرجال. فلما قاربه الفرنج رحل عن حارم إلى أرتاح وهو إلى لقائهم مرتاح، وإنما رحل طمعا أن يتبعوه ويتمكن منهم إذا لقوه، فساروا حتى نزلوا على عم وهو على الحقيقة تصحيف ما لقوه من الغم، ثم تيقنوا أنه لا طاقة لهم بقتاله ولا قدرة لهم على نزاله فعادوا إلى حارم وقد حرمتهم كل خير وتبعهم نور الدين، فلما تقاربوا اصطفوا للقتال وبدأت الفرنج بالحملة على ميمنة المسلمين وبها عسكر حلب وصاحب الحصن فخر الدين، فبددوا نظامهم وزلزلوا أقدامهم وولوا الأدبار، وتبعهم الفرنج وكانت تلك الفرة من الميمنة عن اتفاق ورأي دبروه ومكر بالعدو مكروه، وهو أن يبعدوا عن راجلهم فيحيل عليهم من بقي من المسلمين ويضعوا فيهم السيوف ويرغموا منهم

الأنوف، فإذا عاد فرسانهم من إثر المنهزمين لم يلقوا راجلا يلجؤون إليه ويعود المنهزمون في آثارهم وتأخذهم سيوف الله من بين أيديهم ومن خلفهم، فكان الأمر على ما دبروا، فإن الفرنج لما تبعوا المنهزمين عطف زين الدين في عسكر الموصل على راجلهم فأفناهم قتلا وأسرا وعادت خيالتهم ولم يمعنوا في الطلب خوفا على راجلهم من الطلب، فصادفوا راجلهم على الصعيد معفرين وبدمائهم مضرجين، فسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا وحضعت رقابهم وذلوا، فلما رجعوا عطف المنهزمون أعنتهم وعادوا فبقي العدو في الوسط وقد أحدق بهم المسلمون من كل جانب، فحينئذ حمي الوطيس وحاربوا حرب من أيس من الحياة، وانقضّت العساكر الإسلامية عليهم انقضاض الصقور على بغاث الطيور، فمزقوهم بددا وجعلوهم قددا، فألقى الفرنج بأيديهم إلى الإسار وعجزوا عن الهزيمة والفرار، وأكثر المسلمون فيهم القتل وزادت عدة القتلى على عشرة آلاف، وأما الأسرى فلم يحصوا كثرة، ويكفيك دليلا على كثرتهم أن ملوكهم أسروا وهم الذين ذكروا من قبل. وسار نور الدين بعد الكسرة إلى حارم فملكها في الحادي والعشرين من رمضان، وأشار أصحابه عليه بالمسير إلى أنطاكية ليملكها لخلوها ممن يحميها ويدفع عنها، فلم يفعل، وقال: أما المدينة فأمرها سهل. وأما القلعة التي لها فهي منيعة لا تؤخذ إلا بعد طول حصار، وإذا ضيقنا عليهم أرسلوا إلى صاحب القسطنطينية وسلموها إليه، ومجاورة بيمند أحب إلي من مجاورة ملك الروم، وبث سراياه في تلك الأعمال والولايات فنهبوا وسلبوا وأوغلوا في البلاد حتى بلغوا اللاذقية والسويدا وغير ذلك وعادوا سالمين. ثم إن نور الدين أطلق بيمند صاحب أنطاكية بمال جزيل أخذه منه وأسرى كثيرة من المسلمين أطلقهم. وقال الحافظ أبو القاسم: كسر نور الدين الروم والأرمن والفرنج على حارم وكان عدتهم ثلاثين ألفا. قال: ووقع بيمند في أسره في نوبة حارم وباعه نفسه بمال عظيم أنفقه في الجهاد. قلت: وبلغني أن نور الدين رحمه الله لما التقى الجمعان أو قبيله انفرد تحت تل حارم وسجد لربه عز وجل ومرغ وجهه وتضرع وقال: يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك فانصر أولياءك على أعدائك أيش فضول محمود في الوسط، يشير إلى أنك يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر. وبلغني أنه قال: اللهم انصر دينك ولا تنصر محمود، من هو محمود الكلب حتى ينصر. وجرى بسبب ذلك منام حسن نذكره في أخبار سنة خمس وستين عند رحيل الفرنج عن دمياط

بعد نزولهم عليها، وهذا فتح عظيم ونصر عزيز أنعم الله به على نور الدين والمسلمين مع أن جيشه عامئذ كان منه طائفة كبيرة بمصر مع شيركوه اه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت