فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 2877

قال في الروضتين: قال ابن الأثير: لما بلغ نور الدين وفاة أخيه قطب الدين وملك ولده سيف الدين بعده واستيلاء فخر الدين عبد المسيح واستبداده بالأمور وحكمه على سيف الدين أنف من ذلك وكبر لديه وشق عليه، وكان يبغض عبد المسيح لما يبلغه من خشونته على الرعية والمبالغة في إقامة السياسة، وكان نور الدين رحمه الله لينا رفيقا عادلا، فقال: أنا أولى بتدبير بني أخي وملكهم. ثم سار من وقته فعبر الفرات عند قلعة جعبر أول المحرم وقصد الرقة فامتنع النائب بها شيئا من الامتناع، ثم سلمها على شيء اقترحه فاستولى نور الدين عليها وقرر أمورها، وسار إلى الخابور فملكه جميعه، ثم ملك نصيبين وأقام بها يجمع العساكر، فإنه كان قد سار جريدة فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب الحصن وديار بكر واجتمعت عليه العساكر وترك أكثر عسكره بالشام لحفظ ثغوره وأطرافه من الفرنج وغيرهم، فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها وأقام عليها ونصب المجانيق، وكان بها عسكر كبير من الموصل، فكاتبه عامة الأمراء الذين بالموصل

يحثونه على السرعة إليهم ليسلموا البلد إليه وأشاروا بترك سنجار، فلم يقبل منهم، وقام حتى ملك سنجار وسلمها إلى ابن أخيه الأكبر عماد الدين زنكي، ثم سار إلى الموصل فأتى مدينة بلد وعبر دجلة في مخاضة عندها إلى الجانب الشرقي، وسار فنزل شرقي الموصل على حصن نينوى ودجلة بينه وبين الموصل. إلى أن قال: وحصر نور الدين الموصل فلم يكن بينهم قتال، وكان هوى كل من بالموصل من جندي وعامي معه لحسن سيرته وعدله، وكاتبه الأمراء يعلمونه على الوثوب على عبد المسيح وتسليم البلد إليه، فلما علم عبد المسيح ذلك راسله في تسليم البلد إليه وتقريره على سيف الدين ويطلب الأمان وإقطاعا يكون له، فأجابه إلى ذلك وقال: لا سبيل إلى إبقائه بالموصل بل يكون عندي بالشام، فإني لم آت لآخذ البلاد من أولادي وإنما جئت لأخلص الناس منك وأتولى أنا تربية أولادي فاستقرت القاعدة على ذلك وسلمت الموصل إليه، فدخلها ثالث عشر جمادى الأولى وسكن القلعة وأقر سيف الدين غازي على الموصل وولى بقلعتها خادما يقال له سعد الدين كمشتكين وجعله دزدارا فيها، وقسم جميع ما خلفه أخوه قطب الدين بين أولاده بمقتضى الفريضة. ولما كان يحاصر الموصل جاءته خلعة من الخليفة فلبسها، فلما دخل الموصل خلعها على سيف الدين وأطلق المكوس جميعها من الموصل وسائر ما فتحه من البلاد وأمر ببناء الجامع النوري بالموصل، فبني وأقيمت الصلاة فيه سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.

وأقام بالموصل نحو عشرين يوما وسار إلى الشام فقيل له: إنك تحب الموصل والمقام بها ونراك أسرعت العود، فقال: قد تغير قلبي فيها فإن لم أفارقها ظلمت، ويمنعني أيضا أنني هاهنا لا أكون مرابطا للعدو وملازما للجهاد. ثم أقطع نصيبين والخابور العساكر وأقطع جزيرة ابن عمر سيف الدين غازي ابن أخيه مع الموصل وعاد إلى الشام ومعه عبد المسيح فغير اسمه وسماه عبد الله وأقطعه إقطاعا كثيرا.

ثم ساق في الروضتين ما ذكره العماد الكاتب في ملك نور الدين للموصل إلى أن قال: لما دخل الموصل جدد مناشير أهل المناصب وتوقيعات ذوي المراتب من القضاء والنقابة، وغيرهما، وأمر بإسقاط جميع المكوس والضرائب وأنشأ بذلك منشورا يقرأ على الناس فمنه:

قد قنعنا من كنز الأموال باليسير من الحلال، فسحقا للسحت، ومحقا للحرام الحقيق بالمقت، وبعدا لما يبعد من رضى الرب ويقصي من محل القرب، وقد استخرنا الله

وتقربنا إليه وتوكلنا في جميع الأحوال عليه، وتقدمنا بإسقاط كل مكس وضريبة في كل ولاية لنا بعيدة أو قريبة وإزالة كل جهة مشتبهة مشوبة ومحو كل سنة سيئة شنيعة ونفي كل مظلمة مظلمة فظيعة وإحياء كل سنة حسنة وانتهاز كل فرصة في الخير ممكنة وإطلاق كل ما جرت العادة بأخذه من الأموال المحظورة خوفا من عواقبها الرديئة المحذورة، فلا يبقى في جميع ولايتنا جور جائر جاريا ولا عمل لا يكون به الله راضيا إيثارا للثواب الآجل على الحطام العاجل، وهذا حق لله قضيناه وواجب علينا أديناه، بل هي سنة حسنة سنناها ومحجة واضحة بيناها وقاعدة محكمة مهدناها وفائدة مغتنمة أفدناها اه».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت